الرئيسية / مقالات / لماذا أقال نفسه ؟

لماذا أقال نفسه ؟


سمير عطاالله
النهار
08112017

لم يترك سعد الحريري أحداً لم يفاجئه بقرار الاستقالة، حتى الذي تولى طباعة البيان. الفقرة الأكثر اهمية بالنسبة اليَّ، كانت قوله إن الظروف مشابهة لما كان عليه لبنان في الأيام الأخيرة السابقة لاستشهاد والده. هل يريد الإبن، مثل الأب، الاعتزال؟ نكمل القراءة فنجد أنه ينوي العكس. إنه لا يغير فقط وضع الطاولة المستديرة من جهة الى أخرىبل يقلبها ويمشي، مؤكداً مخاوفه الشخصية لكي يبرر اعلان الاستقالة من الرياض، الميناء الذي اتجه اليه، وليس من القصر الجمهوري، حيث تُقرأ الاستقالات. وقد حدث مرة أن كان رفيق الحريري ذاهباً إلى القصر لإعلان حكومته، فعاد من منتصف الطريق ليعلن استقالته، بعدما سمع، على الراديو، موقفاً غير ودي من الرئيس اميل لحود.

هل السبب، مرة أخرى، تلك العلاقة غير المستقرة بين القصر ورئاسات آل الحريري؟ علاقة الرئيس اميل لحود مع دمشق كانت في ذروتها، من البداية الى النهاية، أما علاقة الرئيس رفيق الحريري “مع الشام” فبدأت في الذروة بعد حرب لبنان، وانتهت، كما تردد، بلقاء خاطف وغاضب مع الأسد الإبن.

أدّى اغتيال رفيق الحريري الى خروج سوريا عسكرياً من لبنان. كان المطر منهمراً، والظلمة حالكة، والشاحنات السورية الروسية الصنع تتجه نحو طريق الخروج في مشهد لم يصدقه أحد، من خصوم الشام أو حلفائها. حيّا، فجر القرار الدولي 1959، وغائباً، في عملية اغتيال لا سابقة لها، تسبب رفيق الحريري بنقل العلاقة السورية – اللبنانية من رتبة الى رتبة. واللبنانيون الذين كانوا يوردون مصطلح “العلاقة المميزة” في أي بيان عن تحرير الجنوب أو تصدير التفاح، نزل منهم مليون ونصف مليون شخص يهتفون ضد سوريا.

سقطت حكومة عمر كرامي المدعومة من دمشق فيما كانت النائبة بهية الحريري تلقي في الآلاف المتجمعين في وسط المدينة، خطاباً سياسياً لم تلقه سيدة من قبل. وبكل وقار وشجاعة، توجه عمر كرامي الى البرلمان وقرأ استقالة مكتوبة ومكتظة بالمشاعر مثل خطاب بهية الحريري، التي طالبت بالاستقالة.

ردت 8 آذار على جماهير “ساحة الشهداء” باغلاق وسط البلد في اعتصام دام عامين، وانتهى بتصريح بلاغي شهير للدكتور نبيل نقولا، يقول إن الاغلاق “كان انتصاراً للعروبة”. لكن لم يعد ممكناً العثور على العروبة، ولا العرب في “وسط المدينة” منذ ذلك اليوم.

هذه المرة أقال سعد الحريري حكومته بنفسه، ومن الرياض، بعدما أقال الوزير جبران باسيل حكومته الأولى من الرابية. قُصفت حكومة سعد الحريري بتوقيت بيروت بعدما أجرى “محادثات دولة” مع باراك أوباما بالتوقيت الشرقي للولايات المتحدة. اقتضى التوافق الحكومي البديع ان يدخل المكتب البيضاوي رئيساً للوزراء وأن يخرج منتحل صفة. كان مثل هذا النوع من الانقلابات خلال الزيارات الخارجية، مألوفاً غالباً في افريقيا، أو في جمهوريات آسيا. لكنه لم يبق احتكاراً ولا ماركة مسجلة.

هذه المرة انقلب سعد الحريري على نفسه وهو في الخارج. وعن توقع أم لا، طالب الخصوم بعودته. مثلما حدث يوم هدد شارل حلو بالاستقالة، تدافع السياسيون يطالبونه بالعودة عنها. وحول الرئيس ميشال عون استقالة الرجل الذي لا يمون على موقف اداري في القضاء، الى قضية عربية، مستعيناً على “محسوبكم سعد” بالملك الاردني والرئيس المصري، ناهيك بتحرك فرنسا العاجل، وكأن لبنان لا يزال شرفتها الأولى في الشرق، ولا بد من الحفاظ عليه.

سعد الحريري أراد أن يعيد “تشكيل” نفسه، وليس حكومته. وأن يكون هو رئيس مجلس الوزراء، وليس مدير البروتوكول فيه. كانت هذه وقفته مع نفسه بعدما اكتشف ان مسار التسوية أفقده الكثير من الأرصدة السياسية والمالية والمستقبلية. وتحولت زعامته الى قالب حلوى قابل للانقضاض والاقتسام.

لكن الأزمة التي فتحت الاستقالة أبوابها أبعد بكثير من موقع سعد الحريري الشخصي والسياسي. فالمسألة التي طرحها تتجاوزه الى أي حكومة مقبلة، وإلى أي نهج حكومي مقبول. والذين رأوا في الاستقالة طعنة للعهد، لم يلحظوا أنها اعطت الرئيس أيضاً فرصة ذهبية من أجل لملمة البلد وجمع مختلف الصفوف والتأكيد على صورة أبي الجميع.

وضعنا الرئيس سعد الحريري جميعاً أمام ساعة الحقيقة. وهي ساعة شديدة الصعوبة قد تكون أشد من وصفه لها بأنها شبيهة بالأيام الأخيرة لوالده.

كل زعيم سياسي، وكل مرجع ديني الآن امام لحظته التاريخية. لبنان ليس مسؤولية واحدة. تلك هي المحاصصة الشرعية الوحيدة.

إقرأ المزيد على موقع النهار

 

اضف رد