الرئيسية / أضواء على / لعل ميتران آخرهم

لعل ميتران آخرهم

سحر بعاصير
النهار
31102018

نستعيد في #نهاري
_من_الأرشيف
 مقالاً كتبته سحر بعاصيري في “النهار” بتاريخ 9 كانون الثاني 1996، حمل عنوان “لعل ميتران آخرهم”.

فرنسوا ميتران الذي أعاد الفرنسيين الى الباستيل يوم انتخابه رئيسا في 1981 يرقصون فرحا ببزوغ فجر الاشتراكية، خرج من الاليزيه بعد 14 عاما لان الفرنسيين رفضوا سياسات حزبه ولم تقنعهم شخصيات خلفائه. لكن الرجل رحل أكبر من حزبه ومن حكمه. الخصم اللدود للجنرال شارل ديغول كان ميتران. لكن، على ما فيها من مفارقة، لعله كان آخر الديغوليين الكبار. لم يخرج عما رسمه ديغول من مؤسسات ودور لفرنسا، بل ربما كان اكثر من استطاع الحفاظ على الحلم الديغولي. وصل الى الرئاسة في ظل دستور الجمهورية الخامسة الذي وضعه ديغول ورفضه هو. لكنه حكم بموجبه ولم يعدله. وبذلك المزيج بين شخصيته التاريخية ورصيده الداخلي وحضوره الدولي، ابقى لفرنسا مكانة بارزة في العالم على رغم ضعفها واستقلالية عن الولايات المتحدة على رغم قوتها، واعطاها دورا مميزا في اوروبا، وحضورا دوليا من الخليج الى الصومال الى البلقان. ولعل زيارته لساراييفو وهي تشتعل اوضح مثال. الرجل الذي استطاع اعادة تكوين الحزب الاشتراكي واستمد منه قوته كان ميتران. لكن، على ما فيها من مفارقة، لعله كان آخر الاشتراكيين في فرنسا. حكم في سنوات عجاف لم تشهد انتهاء الماركسية قوة فكرية دافعة فحسب، بل شهدت ما هو أهم بالنسبة الى ميتران، ازمة الفكر الاشتراكي بمفهومه التقليدي كما نشأ في اوروبا عند تحول القرن وكما طوره جان جوريس وليون بلوم في فرنسا وحزب العمال في بريطانيا. سنة بعد سنة في الحكم وتجربة بعد تجربة، اخذ يدرك انه لا يستطيع فرض السياسات الاشتراكية. عمل على اقلمتها مع متطلبات السوق والتكامل الاقتصادي حتى صار ابا الوحدة الاوروبية. اقلمها حتى تخلى عنها لكنه لم يساوم على البعد الانساني للسياسة. ولعل مشهد القائه وردة – والوردة رمز حزبه – في نهر السين حيث اغرق يمينيون متطرفون مواطنا مغربيا سيظل حاضرا. الرئيس الذي حكم في زمن اخذت السياسة تبهت تدريجا كان ميتران. وكان بسيرته وانجازاته اقرب الى جيل من العمالقة امثال ديغول وتشرشل واديناور وروزفلت ونيكسون ونهرو وناصر وتيتو وماو تسي تونغ. رجال صنعوا تاريخا وبعضهم صنع دولا. آمن ان دور الرئيس هو “الحفاظ على عظمة فرنسا” وان الاهم في ما يفعله المرء هو ان يترك بصمته. وقد تركها. ولعله في ذلك كان آخر عمالقة النصف الثاني من هذا القرن. سحر بعاصيري

اضف رد