الرئيسية / home slide / لطيف العاني… شيخ الفوتوغرافيين العراقيين

لطيف العاني… شيخ الفوتوغرافيين العراقيين

لطيف العاني

 جاسم عاصي
القدس العربي
03122021 

« التصوير لا يبحث عن خارج الحركة، وإنما عن رموزها السرّية، إنه لا يكون خارج الزمن تماماً، لأنه دائماً فيما هو جسدي»
(موريس ميرلو ــ بونتي )

الدخول إلى عالم مبدع ما، يتطلب التأني والاسترشاد بما هو مُعين للرائي الدارس والفاحص لنص الرسم الضوئي، بما يمكّنه من تلمس أهم خصائص هذا العالم الثري والمغري. وفي فن الصورة، ثمة استثناء كما رأينا عبر دراسات كثيرة، سواء في نظرتنا للصورة كجنس إبداعي، أو عبر ما اطلعنا عليه من رؤى ووجهات نظر نقاد وباحثين في فن الصورة. لذا فُرض علينا التوّجه إلى هذا الفن من خلال تعميق النظرة، وربط الأجزاء بالكليات، بمعنى عدم الاكتفاء بنص واحد (صورة) مثلاً في محوّر ما، ذلك لأن الصوّر بحد ذاتها سرديات لأزمنة وأمكنة وحيوات. كما أن الاكتفاء بنموذج مثلاً، أو عدد قليل منها، يُقلل القيمة البحثية والنقدية بطبيعة الحال. فالتعدد يقود إلى اكتشاف السمة الأهم في صياغة صورة ذات معلم فكري وجمالي، كذلك تقود إلى تثبت من الزمان والمكان. ثم بطبيعة الحال إلى اتخاذ حيّز مهم من بين المراتب البحثية والنقدية. ذلك لأنها (أي التعددية) تقود إلى إظهار المعالم الفنية والجمالية بشكلها العام، والأسس التي اعتمدها العاني في اختياراته. وبالتالي يكون تشكّل الصورة مبعثا لعكس رؤى الفنان وطبيعة بنيته الفكرية والجمالية.
كل هذا لمسناه ووقفنا عنده كمقاربة نقدية وبحثية عند فنانين عرب وكرد (يُنظر في هذا كتابان لنا هما «العين والضوء» و«العصا والضوّء»، فقد فحصنا من خلالهما ما يتوّجب فحصه في نتاج كل فنان، والخروج بنتائج أزعم أنها مهمة.
لطيف العاني ضمن الرعيل الذي سعى لاجتراح خاصية لفنه كما هي عند فنانين كبار مثل ناظم رمزي، مراد الداغستاني، فؤاد شاكر، عادل قاسم، جاسم الزبيدي، عبد علي مناحي، كفاح الأمين) على سبيل المثال لا الحصر.

الأرشيف الفوتوغرافي

قيمة أرشيف فناني الفوتوغراف واسعة، وتاريخهم ومدوّنة فنهم عريقة تحتاج لفريق عمل بحثي. وحسبنا أن ما نبذله من جُهد متواضع في دراسة فنهم، وتوثيق معالم تطوراتهم ونظرتهم لفن الصورة عبر تطبيقاتهم اللافتة للنظر، ما دفعنا إلى تشكيل أرشيف كبير نستعين به حال حصول الفرصة للدراسة.
لطيف العاني من فناني الفوتوغراف، الذين كانت لهم بصمتهم في تطوّر هذا الفن من جهة، والتفاتته إلى التقاط معالم الأمكنة من الجوّ سمة ميّزته عن بقية الفنانين من جهة أخرى، إضافة إلى اهتماماته بالمكان وإبراز معالمه، يُعد نوعا من التوثيق. أي أنه أكد على وظيفة الصورة وعلاقتها بالتاريخ، من خلال إحياء الذاكرة الفردية والجمعية، بما يمكّنها عبر تعاقب الأزمنة من التعبير عن رؤيتها وإظهار معالم الأمكنة وتاريخ الأفراد والجماعات، وتطوّر الطقوس والمِهَن والبناء وزخرفته. لقد مارس السعي الفني لتأسيس معمار ذاكرة الصورة، التي هي نموذج أو جنس يشمل ثنائية الزمان والمكان، ثم التماسّ مع الحيوات الأخرى وعلى رأسها الإنسان. لذا فتسجيل صورة الحياة يعني وضع نموذج لعمارة ذاكرة الصورة. وطبيعي لا تأتي الجوانب الكثيرة المرافقة لها، إلا من حراك عام تُشير إليه مفردة (الرؤى) التي هي مقياس عام يحتوى مجموعة منظومات؛ اجتماعية وثقافية ــ معرفية ثم فلسفية. من هنا كان تأسيسنا للكتاب الذي يدرس تجربة الفوتوغرافي لطيف العاني من باب التنوّع المحتشد برؤى متمكنة وواسعة وراسخة.
العاني؛ كان دقيقاً في التقاط كادر الصورة، بحيث أظهره على حيوية واضحة ومعبّرة، صافي النظرة للمشهد اليومي، وكثير الاهتمام بترشيح هذا المشهد أو ذاك، يأخذ بنظر الاعتبار خوّاصّ المشهد وتأثيراته الآنية والمستقبلية، فلا يعتمد العفوية، وإن اعتمدها فإنها عفوية مدروسة بتكرار فحصها ورؤيتها. فكل ما أنتجه مدروس بعناية. والصورة لديه حِرفة وإبداع في آن واحد. حرفتها في التوّفر على شروطها، وإبداعها في تأثيثها بالمعالم الفنية، كما هو تأثير الضوّء والظِل مثلاً، وطبيعة الألوان والأطياف الأخرى، ومعظمها كانت طبيعية بيئية كالشمس والقمر، أو مبتكرة صناعياً كالإضاءة اللوّنية. لذا نجده من خلال نماذجه يتحرك بحذر شديد، إضافة إلى حذره في اختيار كادر الصورة من حيوات وفئات اجتماعية، وطبيعة الأمكنة والأزمنة في ما يخص الليل والنهار مثلاً؛ العتمة والإضاءة؛ الضيق والسعة؛ الحركة والسكون؛ البهجة والحزن. فهو يأخذ بنظر الاعتبار المؤثرات النفسية ضمن محتوى الصورة الفوتوغرافية.

جدل الصورة والتاريخ

علاقة الصورة بالتاريخ، متأتية من العلاقة الجدلية بين الزمان والمكان داخلها. وينسحب هذا على الحيوات الأخرى، سواء كانت موضوعية أو فنية جمالية، فهي شريحة من المكان والزمان على حد قول سوزان سونتاغ، فهي بذلك تكتسب حيويتها من حيويتيهما، لأن الذاكرة متعلق (مكاني ــ زماني). فالصورة تعمل على إحياء ما هو مضمر من الذاكرة، لتحل به كوجود مرئي ضمن صفحات مرئية؛ تطرح مفرداتها عبر نوع الصورة وتقنيتها. فهي ـ أي الصورة ـ تُحدد جدلية العلاقة بين الحياة والموّت مثلاً، عبر سلسلة من مفردات ذاكرتها التي تقوم بفعل استعادة ما اندثر أو مات سريرياً من الأزمنة والأمكنة. فالفوتو يخضع إلى معادلة: «الواقع + الخيال+ الذاكرة = الاحتمال»
من هنا يتوجب النظر إليها وفق ما تقدمه من براهين على ماض بعيد أو قريب، حيث لعبت أدوارا اجتماعية متنوعة منذ ظهورها في بدايات القرن التاسع عشر، إذ أنها كنمط جمالي تتحوّل إلى أصل الوجود، بدل أن تكون واسطته. كما أنها تُعطي دلالتها من داخلها الذي يبدو ساكناً، غير أنه معبأ بالحركة التي تقود إلى تاريخ الأفراد والجماعات. كما أنها محفّزة لنشاط المخيّلة، لارتباط محتوياتها بذاكرة الرائي. فهي لم تكن نوعاً من التخيّل وحسب، وإنما هي وسيلة للوقوف على حراك العالم وتقييمه من خلال حقائق كادر الصورة. الصورة هنا تدفعنا للتعامل مع الوجود تعاملاً معرفياً، لأنها ومن خلال محتوياتها، تقدم لنا معرفة بالأشياء وبالمجريات التي لم نعشها قط. وبذلك تكون شاهداً على زمن منصرم، عاكسة حيوات المكان وعلاقاته، سواء الطبيعية أو الأنثروبولوجية. وهذا ما يؤكد عمق الصورة في التاريخ فقد ترك الإنسان في كل مكان من العالم آثاراً لملَكاته التخيّلية بشكل رسوم على الصخور والجدران. وقد ارتبطت الصوّر الأولى بالسحر ونشوء الطقوس الدينية. فهي ـ أي الصورة الفوتوغرافية ـ من بين العلامات التي تحتمل القراءة التأويلية، من حيث بُعدها الاجتماعي والفلسفي والسيكولوجي. لذا يؤكد مارتين جولي على أن للصورة وظيفة تربوية، ونضيف وظيفة معرفية لعلاقتها الوطيدة بالتاريخ كمدوّنة وبتاريخ الشخصيات والأمكنة والأزمنة، باعتبارها ذاكرة حيوية.

علاقة الصورة بالتاريخ، متأتية من العلاقة الجدلية بين الزمان والمكان داخلها. وينسحب هذا على الحيوات الأخرى، سواء كانت موضوعية أو فنية جمالية، فهي شريحة من المكان والزمان على حد قول سوزان سونتاغ، فهي بذلك تكتسب حيويتها من حيويتيهما، لأن الذاكرة متعلق (مكاني ــ زماني).

البعد الأسطوري

للصورة الفوتوغرافية بُعد أسطوري، وقد تركز كما ذكر جولي أثناء اللقاء بين (أوريديس وأورفيوس ) فقد أغمي عليها عندما التفت إلى الوراء لينظر إليها، ويعني ذلك التقاط صورتها. وهو نوع من فرض سلطة الأسطورة على فعل اتحاد العين بالمشهد، ما يخلق حزمة من رؤى تسلطية قادرة على الإتيان بفعل خارق واستثنائي. إن مسار الزمن، بتقلباته الإيجابية والسلبية، تعمل على فقدان الكثير من الحقائق، بما هو ظاهرة للمحو، فتبقى الصورة إزاء هذا عامل شحذ الذاكرة وإيقاظها، عبر عيّنات أكثر نصاعة وحقيقة بفعل حراك الزمن. والأهم من ذلك، نجدها تقدم مجموعة ثوابت (رموز) تكون خير دالات على التوّصل والتواصل مع أصل الأشياء المفتقدة من حياتنا، إنها أساساً ترتبط بالذكريات الحيّة والجميلة، وذات الوقع المؤثر. فسيمياء الصورة ركيزة مهمة، وعامل اختزال للزمن بما تقدمه من تبئيرات قادرة على ثبات علاقة المعرفة بالأشياء. ما يمكن التأكيد عليه هنا؛ أن الصورة تقدم رؤى فلسفية تُسهم في معرفة وإدراك صورة العالم. فالمصوّر وحده ـ حسب ميرلوبونتي ـ الذي يدرك العالم، ويجعلنا ندركه من خلال عيّناته في الصوّر ذات السعة بالمكان والزمان، أي بالتاريخ عامّة. فالصورة على الرغم من أنها تقدم واقعاً معاشاً ومنظوراً، إلا أنها لا تخلو من التخييل. ويتم هذا عبر اشتغال مخيّلة المصوّر ضمن تقنية الصورة، فالعين بوصفها نافذة النفس كما ذكر ميرلوبونتي، التي ينكشف بواسطتها جمال الكوّن، سواء في اختيار اللقطة، أو العناية الفائقة في توزيع الضوء والظِل، وبقية مفردات التقنية الفنية. فهو خالق لعالم مرئي الآن، وسوف يُرى في الآتي من الزمان وفق بنية معرفية للرائي البصري. الصورة ووفق ما ذكرنا تتعامل مع الأصل بفعل تشخيص خواصّه وممكناته الواقعية والفنية. فهي وإن اقتربت من فعل المرآة للنظر وعكس الأشياء، كما روت الأسطورة، إلا أنها تتخذ لها استقلالية تعبيرية بذلك، فـ(نرسيس) مثلاً خدعته مرآة الماء، ليس لكونها لم تعكس شكل وجهه، بل وهم الرؤى التي وقع فيها في كوّن المرئي شخصا آخر، لأنه لم يتعرّف على سمات وجهه من قبل. وهذا يرتبط بالجانب المعرفي حصراً من خلال البُعد الفلسفي. فهو لم ير وجهه قط، لأنه لم ير مرآة قط، أي لم تكن له معرفة تُعينه على استخلاص البنية التي واجهته. لذا فالشبيه الذي ظهر على صفحة الماء وجد فيه وجهاً آخر. إن هذا يقودنا إلى معرفة الأشياء التي تقود إلى معرفة الذات، لأننا أساساً نعرف الأمكنة والظواهر الممحوّة، أو روي لنا عنها. فالصورة فعل معرفي يتطلب اتساعاً معرفياً. من هذا تواؤم وجود الصورة كجنس في التعبير مع باقي الأجناس. لأنه اعتمد فعلاً لم يترك للصدفة تنفيذ ما يتطلب تجسيده، وإنما أخضع هذا إلى المعرفة والصدفة في رؤية المشاهِد التي تقوده نحو بئر الأسئلة، والتي لا يتوفر جواباً لها سوى باللقطة الفنية، التي تختزل المشهد بمجموع المكوّنات والرموز.

الإدراك البصري

لقد أكد سعيد بنكَراد على كوّن الصورة هي بالتحديد وليدة إدراك بصري، فإن تمثيل الأشياء داخلها يعود إلى تحويل أنطولوجي لماهيات مادية وتقديمها على شكل علامات.

كاتب عراقي