الرئيسية / home slide / لسان بكركي حيال نصرالله: لست وحدك في البلد

لسان بكركي حيال نصرالله: لست وحدك في البلد

تلقف مناوئو “حزب الله” من اتجاهات سياسية ومذهبية مختلفة بترحاب طرح البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي، الداعي إلى خيار اتباع لبنان سياسة الحياد على ان يكون هذا المشروع بضمانة الأمم المتحدة ورعايتها. ولم يكن طرح بكركي هذا وليد اليوم بل يدخل في صلب مشروعها ونظرتها الى لبنان بعد سلسلة من التجارب التي عاشها البلد ودخوله في سياسات المحاور في أكثر من مرة بحيث يقدم كل طرف على اللجوء اليها لتحقيق مصالحه. وقد يكون لبنان من اكثر الدول المنفتحة على الخارج السياسي والديني والمذهبي على العالم، إضافة الى عدم وجود سياسة مركزية واحدة تحكم السياسات الرسمية مع الخارج. وكانت دوائر بكركي الدينية إضافة الى السياسية التي يدور في فلكها إنتلنجسيا ووجوه اكاديمية ومستقلة وغير حزبية قد أخذت تعبر عن قلقها الشديد بعد الخيارات التي أطلقها السيد حسن نصرالله للتوجه نحو الشرق واتهامه هنا بأنه يعمل على تغيير وجه لبنان الكبير الذي بلغ عمره المئة سنة. ولم تخرج دعوة بكركي بحسب المؤيدين لها عن الرسالة الوطنية التي تحملها والمسؤوليات الملقاة على عاتقها في حماية الكيان اللبناني. وأن التوجه نحو الشرق، ولا سيما حيال إيران والصين والتخلي عن الغرب، لن يصب في مصلحة البلد. علماً ان دعوة “حزب الله” للتعاون مع بيجينغ لم تكن الا في الإطار الاقتصادي والاستفادة من قدرات العملاق الصيني.

ولم تعد تخفي بكركي اظهار جملة من الملاحظات حيال “حزب الله” في الآونة الاخيرة. وكانت قد توقفت طويلاً عند الكلام الأخير للمفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد قبلان الذي لم تستسغه الكنيسة ولم يلق الرد المناسب من “الثنائي الشيعي”. وأرادت بكركي هنا أن تقول للحزب إن ما تمثله في البلد وموجود على الطاولة ولا يمكن تجاهله بكل هذه السهولة أو السكوت بعد اليوم على طروحات من دون احترام خيارات المكونات الاخرى في البلد مع الاشارة الى ان اللجنة المشتركة بين بكركي والحزب تعمل والتواصل قائم. واذا كانت جهات مارونية ومسيحية اخرى تتفهم حقيقة الضغوط التي يتعرض لها الحزب لكنها لم تمنحه أسباباً تخفيفية في الوقت نفسه جراء فتحه معارك ومواجهات على اكثر من جبهة وصولاً الى حدود تحديه واشنطن.

وتود بكركي الإيصال للحزب أن المشروع المطبق في ايران منذ نجاح ثورتها في العام 1979 ضد اميركا والغرب لا يمكن استنساخه في لبنان وفرضه على مختلف مكوناته. ولم تعد بكركي هذه المرة تمارس سياسة ديبلوماسية القفازات مع الحزب نتيجة القلق الذي بدأت تشعر به الكنيسة المارونية التي يهمها الإبقاء على التوازن المطلوب في البلد.

ولا تخفي حلقة سياسية من نخبة الشخصيات المارونية، وتدور في فلك الكنيسة، بأنها بدأت ترى في السيد نصرالله واطلالاته بأنه اصبح في موقع “مرشد الجمهورية اللبنانية”. وتقول له بكركي من دون مواربة بـ “أنك لست وحدك في البلد” وتدعوه الى التمهل في اطلاق خياراته. وانه لا يمكن بهذه السهولة تغيير وجه النظام اللبناني وطبيعته والغاء الكيان وحضور بقية طوائفه. ولم تأت زيارة الرئيس سعد الحريري الى بكركي فضلاً عن الرئيس فؤاد السنيورة في اطار اللقاءات البروتوكولية حيث تحولت بكركي في نظر معارضي “حزب الله” منصة لهذه المواجهة المفتوحة مع خيارات نصرالله. وتلقف “تيار المستقبل” والجهات السنية المعارضة للحزب مواقف بكركي الأخيرة.

وأن الكلام الذي جاء على لسان رأسها الديني لم يكن محل تشاور مع المطارنة فحسب بل ثمة مروحة من السياسيين هو على تواصل مفتوح معها. وفي النهاية يقدم الراعي على كتابة مضمون بياناته والرسائل التي يطلقها بقلمه من دون اي إملاءات من أحد. ويأتي المضمون الذي يوجهه خلاصة الاقتناعات التي تؤمن بها الكنيسة وتراها تصب في مصلحة لبنان وان تقاطعت افكارها مع جهات حزبية مثل حزبي الكتائب و”القوات اللبنانية” وغيرهما. وبحسب سياسيون يدورون في فلك بكركي، فإن الراعي لن يتوقف عند حدود الصرخة التي أطلقها حيال الحياد بل سيستكملها مع الفاتيكان القلقة بدورها على الاحوال الصعبة التي وصل اليها اللبنانيون وان على الاوروبيين اخذ زمام المبادرة والعمل على حماية لبنان من كل هذه الضغوط.

ورداً على القائلين إن طرح بكركي للحياد الايجابي بأنه يخدم اسرائيل، فإن شخصيات مارونية ترى فيه بأنه يخلص لبنان من ازماته شرط ان يكون هذا المخرج بإشراف الامم المتحدة والتعهدات التي ستتخذها في هذا الشأن لتأمين حياد البلد. والمطلوب من مواطنيه العمل على حماية لبنان الكبير هذا في توقيت تتعرض فيه الاقاليم لإنشاء دويلات جديدة واحداث تغييرات في الخرائط، مع التذكير هنا، بحسب المؤيدين لمشروع الحياد، بأن اسرائيل تعمل على أن يكون لبنان ممراً لإنجاح سياساتها في المنطقة. ويقدم المتحمسون لخيار بكركي مثل سويسرا التي نجحت في حماية ترابها في الحربين العالميتين الاولى والثانية. وان خيار الكنيسة المارونية لا يزال يرفع شعار “لا للتوجه نحو الشرق ولا الغرب”. ويبقى ان قيادة الحزب لن تدخل في سجال مع بكركي لجملة من الاسباب، أولها الابقاء على قنوات التواصل المفتوحة مع الراعي فضلاً عن عدم إحراج الرئيس ميشال عون وفريقه في البيئة المسيحية. وان كان كثيرون من الشيعة وغيرهم يرون ان اشادة الراعي بكلام السفيرة الاميركية دورثي شيا والتماهي مع مواقف وزير خارجيتها مايك بومبيو قبل أيام لا يعبر عن جوهر الحياد الذي يطرحه. وان المطلوب من الجميع التدقيق اكثر في سياسات البيت الابيض التي يقودها الرئيس دونالد ترامب حيال المنطقة بأجمعها.

لكن ثمة من يذكر أصحاب هذا الطرح “أن سويسرا، ومن حسن حظها، لا تربطها حدود مشتركة مع اسرائيل التي اغتصبت اراضي الفلسطينيين وتسعى اليوم الى اقتطاع مساحات من الأردن. وعن أي حياد يتحدثون في ظل تهديدات اسرائيل للبنان اضافة الى تطييرها ما تبقى من القضية الفلسطينية وحلم عودة أهلها الى اراضيهم. ولماذا لا تقدم الامم المتحدة التي يجري التطلع اليها والاستعانة بها في نصرة هؤلاء اللاجئين في أربع رياح الأرض”؟!

radwan.aakil@annahar.com.lb