لثورة في القطاع المالي تخرجنا من لعنة الاقتصاد الريعي!

تصوير مروان عساف.

“إن الأزمة الاقتصادية والمالية التي يمر بها لبنان هي فرصة تاريخية لإعادة هيكلة الاقتصاد اللبناني برمته ليتحول نهائياً من اقتصاد ريعي بامتياز إلى اقتصاد منتج، لأن بناء اقتصاد على قاعدة تصدير الطاقات البشرية وجذب الودائع من الخارج بالفائدة المرتفعة هو لعنةً أوصلت البلاد إلى ما هي عليه.

سبق أن قدمت الحكومة اللبنانية تقرير “ماكينزي”، الذي نُشِرَ عام ٢٠١٨، كأداة توجيه استراتيجية. لكن هذا التقرير المُكَوّن من ١٣٠٠ صفحة هو عبارة عن مجموعة من البيانات والإحصاءات أكثر من كونه مجموعة من اقتراحات لتدابير ملموسة يمكن اعتمادها لتطوير الاقتصاد اللبناني.

من بين القطاعات الواعدة التي تم تحديدها، يناقش تقرير “ماكينزي” قطاع الخدمات المالية من دون تفصيل التدابير اللازمة لتطويره. علماً أنه يجب تنفيذ العديد من الإصلاحات على المستويات الضريبية والتنظيمية والقانونية، لتمكين لبنان من أن يصبح مركزًا ماليًا رائداً.

يُمثّل القطاع المالي حالياً ٩٪ من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، لكن حصة الخدمات المالية غير المصرفية ضئيلة جداً. إن الودائع المصرفية تعادل ٣٠٠٪ من الناتج المحلي الإجمالي، ولبنان الذي يتباهى بكونه يحتل الصدارة في المجال المالي، هو في الحقيقة من الدول القليلة في العالم التي لم تواكب التطورات العصرية، وخصوصا صدارة الاعتماد على الأسواق المالية والصيرفة الاستثمارية في تمويل القطاع الخاص، ناهيك بالدين العام الذي يمثل الجزء الأكبر من الأصول المصرفية. ينتج من تضخم الصيرفة التقليدية والمتخلفة هذه نظام يجعل من البنوك ومودعيها من جهة والقطاع العام من جهة أخرى رهائن لبعضهم البعض، وهذا الوضع يمنع التمويل المسؤول للقطاعات المنتجة. والأخطر من ذلك أن السوق المالية لم تعد قادرة على أداء دورها كرقيب وحسيب لسوء إدارة القطاع العام، لأن المصارف مجبرة على مواصلة تمويل العجز المتزايد باستمرار إذا كانت تريد الحفاظ على نمو ودائعها.

مواضيع ذات صلة

اضطلع النظام المصرفي منذ فترة طويلة بدور اعتبر إيجابيًا في تغطية عجز ميزان المدفوعات من خلال جذب الودائع، إلا أنه يتبين الآن أن هذا الدور أصبح عبئاً على الاقتصاد اللبناني. في المقابل، لم يصدر القطاع المصرفي إلا القليل القليل من الخدمات المصرفية، بمعنى أنه لم يجنِ إلا القليل من إرادات تشغيلية من الخارج. منذ بداية الأزمة السورية، باتت قدرة النظام المصرفي على جذب الودائع محدودة، حتى وصلت الأمور في بداية ٢٠١٩ إلى تراجع هذه الودائع. أما منذ بداية الانتفاضة في الشارع فتبين أن المودعين المقيمين وغير المقيمين يتسابقون على سحب أموالهم من لبنان.

إن الارتكاز على جذب الودائع وتضخم ميزانيات المصارف لم يؤدّ إلا إلى تشجيع الاقتصاد الريعي وتدمير القطاعات المنتجة من خلال زيادة الفوائد وعدم توفير السيولة للقطاع الخاص.

فك الارتباط بين الدولار في لبنان والدولار في الأسواق العالمية

من بين النتائج التي أدى إليها التضخم الاصطناعي للقطاع المصرفي أزمة سيولة خطرة وتفكك للمنظومة المالية الحالية. استفاق اللبنانيون على مشهد غريب عجيب، إذ تبين أن حساباتهم بالدولار الأميركي لدى البنوك اللبنانية لم تعد مرتبطة بالدولار الأميركي الأصيل، ولم يعد من الممكن تحويل هذه الحسابات إلى الخارج و/أو إلى دولارات نقدية.

وبالفعل، إن أي ايداعات بالدولار في البنوك اللبنانية ليس لديها إلا خياران، إما أن تتحول إلى ليرة لبنانية بسعر الصرف الرسمي (1507,5) للتمكن من سحبها نقداً، وإما أن تستعمل لإنجاز معاملات في السوق المحلية.

Volume 0% 

وفي هذه الحالة، تصب هذه الأموال لدى المستوردين الذين بدورهم يحولونها إلى ليرة لبنانية بالسعر الرسمي لكي يتمكنوا من شراء الدولار لدى الصرافين بالسعر السوقي للدولار الأميركي (يراوح حالياً بين 1650 و1900).

يمكننا القول إن الدولار في لبنان أصبح لديه سعر صرف مرتبط بقيمة الليرة اللبنانية في الأسواق الحرة. ولم يعد له ارتباط بالدولار المتداول في الأسواق العالمية.

إن مقولة ان لبنان لا يمكن أن يكون بلداً مصدراً في الصناعة أو الزراعة أو الخدمات مرفوضة كلياً. وعلى هذه القطاعات أن تنمو في السنوات المقبلة لتكون هي مصدر الدولارات الآتية من الخارج. ومن هذا المنطلق سيلعب تطوير قطاع الخدمات المالية والأسواق المالية في لبنان دوراً محورياً.

إن تطوير الخدمات المالية له هدفان اساسيان. الأول هو تزويد القطاعات الإنتاجية برؤوس أموال تستثمرعلى المدى الطويل. والثاني هو خلق فرص عمل من خلال تشجيع إنشاء خدمات مالية ذات قيمة مضافة عالية للمقيمين في لبنان عامةً والغير مقيمين خاصةً.

وما يمر به القطاع المالي من صعوبات يشكل فرصة تاريخية لتطوير الأسواق المالية المحلية بحيث يجب الإستفادة من الرساميل الموجودة كودائع مصرفية داخل لبنان والتي لم يعد لها منفذاً إلى الخارج. فالكثير من المودعين سوف يرون في تمويل القطاعات الإنتاجية فرصة لتوزيع استثماراتهم المحبوسة في لبنان من خلال أدوات مالية محلية ذات مردودية أكبر ومخاطر أقل؛ ما يفيد القطاعات المنتجة.

أما بالنسبة إلى الخدمات “الغير مصرفية” الموجهة لغير المقيمين علينا أن نسعى إلى جعل بيروت في يوم من الأيام مثل دبلن أو لوكسمبورغ أو حتى مركز دبي المالي العالمي، حيث تتوافر فرص عمل للعديد من الإختصاصات المالية والقانونية والإدارية.

إصلاح الإطار القانوني والمالي والتنظيمي

بالرغم من الاصلاح الأخير لقانون التجارة، تبقى بعض القوانين غير ملائمة لاحتياجات الأسواق المالية وغيرها من الخدمات المالية الغير مصرفية. هنالك الكثير من الإصلاحات المطلوبة إن كان على صعيد النظام الضرائبي أو التنظيمات التي صدرت عن هيئة الأسواق المالية أو القوانين التي تقف عائقاً أمام تشجيع الإستثمارات الخارجية. فمثلاً من الملح تعديل قانون تملك الأجانب الذي كان ولا يزال عائقاً أساسياً لتدفق الإستثمارات الخارجية في المشاريع المنتجة. شرط ألا يسمح هذا القانون بتصفية الأصول العقارية وتوزيعها على المساهمين. فأي مشروع سياحي أو صناعي أو زراعي وازن بحاجة إلى أقل من ٣٠٠٠ متر مربع؟

الرئيس التنفيذي لـFFA PRIVATE BANK 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*