الرئيسية / أضواء على / لبنان 1976… “بعدنا طيبين”

لبنان 1976… “بعدنا طيبين”

محمود الزيباوي|السبت21/04/2018
http://www.almodon.com/culture

 

  • بحبك يا لبنان
  • حريق السينما
  • احتفالا بالمقهى احتفالا بعودة الاوتوبيس
  • الحرب مرت من هنا
اشتعلت شرارة الحرب اللبنانية إثر حادثة “البوسطة” في 13 نيسان/ابريل 1975، وتحوّلت إلى نار آكلة بعد بضعة أشهر. قيل في شباط/فبراير 1976: “بيروت، العاصمة الجميلة التي كانت مسرحا للصبا والجمال وسهرات ألف ليلة، ستظل حبيسة البيوت لمدة طويلة. فلا سهر في الفينيسيا، ولا سمر في الهوليداي ان، ولا فرح في السان جورج. ان هذه الفنادق الفخمة التي كانت تمثل الاهرامات السياحية الثلاثة في لبنان لعنوان الترف البيروتي سقطت تحت قنابل الحرب”.


نقلت الصحافة صور الخراب الذي حلّ بهذه الفنادق الكبيرة، وأكّدت بأن “الحياة لن تعود إليها قبل سنة أو أكثر”، وقالت ان بيروت لن تستعيد صورتها الزاهية التي اشتهرت بها”. خلال هذه الجولة الطويلة من القتال المستمرّ على كافة الجبهات، بلغت الحرب ستة وعشرين من دور السينما في بيروت. خُربت سينما”روكسي” بشكل كامل، وأكلت النيران سينما “سان شارل”، وتحطّمت سينما “سيتي بالاس”، وتحول مدخل سينما “ريفولي” إلى سوق خضر. مثل العديد من اللبنانيين، عانى أهل الفن من هذه النكبة، ونشرت نقابة ممثلي المسرح والسينما قائمة طويلة تذكر بالتفصيل “الهدايا الرمزية” التي استلمتها كمساعدة مالية من السفارة الأردنية في بيروت، “مقدمة من صاحب الجلالة الملك حسين شخصيا”، وتردّد بأن هذه اللفتة الملكية “ستتكرّر في السنوات في السنوات المقبلة، لتصبح منحة سنوية محددة بسبعة آلاف وخمسمئة دينار، تقدّم للممثلين اللبنانيين”. قُدّر مبلغ “الهدايا الرمزية” بخمسين ألف ليرة لبنانية وزّعت حصصاً على قائمة طويلة من الفنانين، وجرى وضع هذه الحصص في مغلفات مع امين صندوق نقابة ممثلي المسرح والسينما، “بسبب تعذّر الاتصال بأصحابها” في ظل الأوضاع السائدة.

كما في خريف 1975، تخيّل البعض في شتاء 1976 “ان النفوس اللبنانية التي اعتادت الالتئام قد تجترح المعجزة، وقد تعيد إلى بيروت زهوها قبل أي تاريخ حدّده المراقبون”. خيّم الظلام على وسط بيروت، لكن دبيب الحياة المفاجئ عاد بسرعة إلى مرافق الشوارع والمؤسسات والمصانع في الضواحي والجوار، وقيل يومها: “لبنان السياحي لم ينهَر كله، بل أن هناك بقايا تحفظ له طابعه، كما تشجّع عشاق لبنان من الاستمرار في الصبوة إليه”.

بالغ المتفائلون في تفاؤلهم، وقالوا إن الحرب انتهت إلى الأبد، وإلى غير رجعة، “حتى ولو حاول بعض البوم الذين ينعقون ليل نهار ولا يهنأ لهم عيش الا بين الخرائب، أن يؤكّدوا بأن هناك بعد جولة”. لم تتحقّق هذه المعجزة. غابت صور العرائس والأفراح عن صفحات المجتمع في الصحافة، وغاب معها “كل ما يطالع بالسعد والخير والبناء، بناء البيوت السعيدة التي تعطي الأوطان السعيدة”. أعلن الرئيس سليمان فرنجية الوثيقة الدستورية، وانطلق بعض اهل بيروت “إلى الجبال البيضاء يتنشقون جمالها بعد أيامهم السوداء”، لكن الدور الكبرى بقيت “باردة تنتظر من يبعث فيها الدفء”.

في ذلك الزمان، بزغ نجم الوزير السوري، ورئيس الوفد الثلاثي إلى السلام اللبناني، عبد الحليم خدام، في حقول الاعلام، واشتهر بأقواله المأثورة: “كل شي كويس، وكل شي تمام”. حاولت الدولة اللبنانية المنهارة أن تستعيد وحدتها، ورفعت شعار “لبنان واحد بتلفزيونين وإذاعتين”، وجاء هذا الإعلان بعدما انقسم الإعلام الرسمي، وبات لكل طرف إذاعة “محاربة” تذيع باسم “إذاعة لبنان من بيروت”، وشركة تلفزيونية تمهد لما تبثه من أخبار بصورة الأرزة اللبنانية، وكان “على المذيعين والمذيعات والفنانين والفنانات أن يذيعوا أو يبثوا من المحطة التي تواجدوا في منطقتها، وهكذا كان نصيب القناة سبعة، كل من عرفات حجازي وسعاد قاروط العشي وهيفاء جارودي البابا وآمال عفيش وغسان مطر، ونصيب القناة 11، جان خوري وعادل مالك وجاك واكيم”. سقط شعار “لبنان واحد بتلفزيونين وإذاعتين” بسرعة البرق، وتواصلت الحرب الإعلامية في الإعلام “الرسمي”. فصلت الأحداث شركة التلفزيون اللبنانية عن شركة تلفزيون لبنان والمشرق، وفرضت على كل شركة اتخاذ الموقف المضاد للأخرى، “وما بين تلة الخياط والحازمية دارت الحرب التلفزيونية على جميع الأقنية”.

انقسم الشعب، وانقسم الجيش، وانقسمت العاصمة، وانقسم الجبل، وانقسم التلفزيون إلى تلفزيونين، واحد في الحازمية يُعرف بالقناة 11، وواحد في تلة الخياط يُعرف بالقناة 7، وتثلثّت الإذاعة، وباتت هناك إذاعة لبنان من الصنائع، وإذاعة لبنان من عمشيت، وإذاعة ثالثة تتحدث باسم “صوت الحرية والكرامة”. في أيلول/سبتمبر، ردّ زياد الرحباني على التعليقات التي أعقبت ظهوره في منطقة بيروت الغربية، وتقديمه برنامج “بعدنا طيبين” من إذاعة بيروت في محلة الصنائع، وقال إنه لا يفرّق ولن يفرّق بين وجوده في هذه المنطقة أو تلك. في المقابل، أطلق الأخوان رحباني من دمشق، بصوت فيروز، أغنية “بحبك يا لبنان” التي شاعت بسرعة، و”ضربت الرقم القياسي ببثها عبر الأثير، حتى فاق عدد المرات التي قدمت فيها عن المئة مرة في أحد أيام الأسبوع”، كما قيل في تشرين الثاني/ نوفمبر.

إثر دخول “قوات الردع العربية” إلى قلب العاصمة، استعادت السلطات اللبنانية إذاعتي الصنائع وعمشيت وشركتي التلفزيون، وأصدر المدير العام لوزارة الإعلام بياناً أعلن فيه اعتماد “خط اعلامي وطني سليم، يساهم في ترسيخ السلام في جميع انحاء لبنان، وفي إعادة الحياة إلى مجراها الطبيعي، وفي تعزيز الوحدة الوطنية والقيم اللبنانية، وفي دعم المؤسسات الدستورية الشرعية”. قيل إن الحرب انتهت في الساعة الرابعة من صباح الاثنين 15 تشرين الثاني/نوفمبر 1976، مع دخول قوات الردع إلى بيروت وتغلغلها في شوارعها وفي محاورها الساخنة. رافقت الصحافة هذا الدخول، والتقطت صور الآثار التي خلفتها الحرب، وقالت: “انها فاجعة الفواجع، ومع ذلك فإن الأمل في بيروت المستقبل يبشّر بازدهار ما بعده ازدهار. لن تعود بيروت كما كانت، بل أجمل مما كانت. ان أبناء لبنان المبدعين سيعيدون بناء عاصمتهم، لكن على أحدث طراز هندسي، وسيبنون لبنان كله على أسس دولية ثابتة لا تزعزعها الرياح والأعاصير والمؤامرات، وسيستحقون بعد كل هذا استقلال وطنهم الذي كان صغيراً”.

عشية الذكرى الثالثة والثلاثين لعيد الاستقلال، توجه الرئيس الياس سركيس برسالة إلى اللبنانيين، ختمها بقوله: “أطلب منكم أن تقفوا معي، أن تحملوا معي أدوات البناء لنعمر لبنان ونبني جسراً بينه وبين الحياة، ولتكن نار المحنة التي أشعلت بلدنا طيلة تسعة عشر شهراً، آلام مخاض، ولو عسير، لولادة لبنان الجديد”. بعد بضعة أشهر، في 16 أيار/مايو 1977، ظهر مذيعو محطتي التلفزيون في صورة جامعة “وراء طاولة واحدة، وكأنهم صوت واحد وفم واحد”، وقال عرفات حجازي في هذه المناسبة: “اعلام موحد للبنان الموحد. انطلاقة نأمل أن تكون فاتحة خير لتوحيد القلوب والنفوس على محبة لبنان”.

اضف رد