الرئيسية / home slide / لبنان ينقلب على الغرب؟!

لبنان ينقلب على الغرب؟!

28-02-2022 | 00:25 المصدر: “النهار”

روزانا بومنصف

سارعت الدول الأوروبية الى تثمين الموقف اللبناني من اجتياح روسيا لأوكرانيا على نحو علني وواضح بدا كأنه يستبق ردود الفعل التي بدأت تطلّ برأسها الى درجة تنصّل رئاسة الجمهورية والفريق الداعم لوزير الخارجية عبد الله بو حبيب من البيان الذي أصدرته تحت ضغط الموقف من “#حزب الله” الحليف ولاعتبارات تتصل بحسابات سياسية وشخصية كذلك. خسرت الدول الغربية على هذا الأساس معركة كسب صوت لبنان في التصويت في الجمعية العمومية للأمم المتحدة بإبلاغ بو حبيب زوّاره من الديبلوماسيين الاوروبيين أن لبنان لن يصوّت، إذ حال الفيتو الروسي دون تبنّي قرار إدانة اجتياحه الاراضي الاوكرانية في مجلس الامن الدولي… ويتوقع الأعضاء تصويتاً محتملاً على قرار مماثل في الجمعية العامة، إذ طلبت أوكرانيا عقد “دورة استثنائية طارئة” للجمعية العامة عملاً بقرار الجمعية العامة 377 (د-5) المؤرخ 3 تشرين الثاني/نوفمبر 1950، المعروف أيضاً باسم “متحدون من أجل السلام”.  ينص هذا القرار على أنه “في الاحوال التي يفشل فيها مجلس الأمن، بسبب عدم وجود إجماع بين أعضائه الخمسة الدائمين، في التصرف على النحو المطلوب للحفاظ على السلم والأمن الدوليين، تنظر الجمعية العامة في الأمر على الفور وقد تصدر التوصيات المناسبة لأعضاء الأمم المتحدة لاتخاذ تدابير جماعية، بما في ذلك استخدام القوة المسلحة عند الضرورة، من أجل الحفاظ على أو استعادة السلام والأمن الدوليين”. يمكن إطلاق هذا الإجراء إما بقرار من مجلس الأمن أو من الجمعية العامة. ويعتبر قرار المجلس الذي يحيل القضية الى الجمعية العامة إجرائياً ولا يخضع تالياً لحق النقض وهناك سبع حالات عبر تاريخ الأمم المتحدة أحيلت في مسائل الى الجمعية العمومية نظراً لاستخدام إحدى الدول الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن حق النقض في المجلس. وأيّ قرار مماثل يحتاج إلى أصوات أغلبية أعضاء الجمعية العامة لتمريره. وكان مشروع القرار الخاصّ بالاجتياح الروسي لأوكرانيا قد فشل بسبب استخدام روسيا حق النقض. وصوّت 11 عضواً بالموافقة، وعارضت روسيا، فيما امتنع ثلاثة أعضاء هم الصين والهند والإمارات العربية المتحدة. واشترك في رعاية مشروع النص 81 دولة عضواً.  وقد وضعت لاحقاً مسوّدة جديدة باللون الأزرق، في محاولة واضحة لمعالجة مخاوف الصين وكسب المزيد من الدعم للنص. وكان مشروع القرار الذي تم التصويت عليه هو قرار الفصل السادس، بعد التنقيحات الأخيرة التي حذفت صيغة الفصل السابع. بالإضافة إلى ذلك، تم تخفيف اللغة في المسودة السابقة باللون الأزرق التي تدين العدوان الروسي على أوكرانيا وقرارها الاعتراف باستقلال ما يسمّى جمهوريتي دونيتسك ولوهانسك الشعبيتين. وبدلاً من ذلك، فإن القرار الذي تم التصويت عليه بـ”يستنكر” تصرّفات روسيا بدلاً من إدانة.

الانتقادات لوزارة الخارجية التي لم يدعمها أحد علناً من أفرقاء الداخل ولا سيما في المعارضة على رغم اتصال البعض بالوزير بو حبيب والثناء عليه، أسهمت في استهانة روسيا بدورها بموقف الخارجية التي لم تدافع بدورها عن البيان الذي صدر ربما نتيجة لصدوره بالصياغة التي ورد بها. وهاتان ثغرتان، أي في موقف علني للمعارضة التي تريد على الأرجح عدم التورّط بتردّي العلاقات مع روسيا فيما على السلطة تحمّل مسؤوليتها، وفي الضعف الذي بات عليه بيان الخارجية لهما تداعيات خطيرة في ظل موازين القوى الراهن في البلد.

ولكن عدم رؤية المعارضة أو المجتمع المدني خطورة في إدانة اجتياح بلد لبلد مجاور والسكوت على ذلك أمر بات يشير الى مخاطر كبيرة لجهة أن المجتمع المدني والمعارضة عاجزان عن بلورة خطاب سياسي يتصل بالقيم الديموقراطية والشرعية الدولية عدا عن الانتقادات الحادة لهما على وسائل التواصل الاجتماعي. فالمنطق الذي تحدّث به ممثلون للحزب صحيح في نقطة وحيدة ألا وهي عدم طرح الموضوع أمام مجلس الوزراء من أجل الاتفاق على صيغة للموقف اللبناني تراعي مصالح لبنان ولا “تبهدله” وتكشف مدى الهزال الذي أصبح عليه حتى لو أن الحزب لم يقم وزناً للبيان الوزاري عن النأي بالنفس بدليل تسبّبه بتردّي العلاقات مع الدول الخليجية وما أرسته من سياسة عداء واعتداء كذلك عليها. فيما كل المنطق في عدم اتخاذ موقف من الاجتياح الروسي بناءً على قرارات الأمم المتحدة التي تعتبره اعتداءً على سيادة دولة أخرى مثير للجدل من نقاط متعدّدة ليس أقلها أن أي دولة يمكن أن تتسلح بالمصالح الامنية أو بتصحيح أخطاء التاريخ على غرار ما اعتبر نظام بشار الأسد من أجل إطاحة خرائط الدول. والأقرب الى الأذهان ما تدّعيه إسرائيل تاريخياً في أرض فلسطين وما يمكن أن تدّعيه مستقبلاً، إذ لا يمكن لبنان إلا أن يدين أيّ غزو تقوم به دولة لأخرى، وكان للرئيس سليم الحص في عام 1990 لدى اجتياح صدام حسين للكويت موقف تاريخي دان فيه بقوة ذاك الغزو مستبقاً غالبية الدول العربية في هذا الإطار. تشجّع السفير الروسي في لبنان بكل ذلك من أجل الاستقواء بمواقف الافرقاء المتنصّلين من بيان الخارجية وتعميق ذلك.

يستشهد البعض بالانقسامات الحادة في الولايات المتحدة الاميركية من الاجتياح الروسي لأوكرانيا بناءً على الموقف المعلن الذي يكرّره الرئيس السابق دونالد ترامب في انتقادات عنيفة يوجهها لإدارة الرئيس جو بايدن. ولكن لبنان يواجه كباشاً حاداً ليس فقط على وقع التوتر المتصاعد بين أميركا والدول الاوروبية مع روسيا على خلفية اجتياح الاخيرة لأوكرانيا بل على خلفية صراع محوري كبير في المنطقة باتت روسيا راهناً في صلبه، فيما القوى الداخلية في السلطة تدفع لبنان أكثر فأكثر نحو التوجّه شرقاً كما سبق أن أعلن الحزب وأرجحية السلطة فيه للمحور الإيراني، فيما تحذيرات داخلية تتكرّر من تغييرات لهويّة لبنان.


rosana.boumonsef@annahar.com.lb