لبنان ينتخب في الهواء الطلق

لم يسمع اللبنانيون خلال السنوات الاخيرة سوى لغة التمنين التي لا يطيقها الإبن من أبيه. وكان بعض احداث السياسة ينسبون الى أنفسهم ما تكرّم به الخالق وما تفضّل به الخلق. وفي جملة ما في التمنين لهذا الشعب في وجهه “جبنالكم النفط”. والشعب لم يكن يحلم بالنفط لأنه يعرف سلفاً اين سوف يصب. كل ما كان يطمح إليه ساعة كهرباء اضافية، بعدما اصبحنا “قلب الظلام” كما في رواية جوزف كونراد.

المنّة الكبرى الأخرى كانت ما سميّ “قانون” الانتخاب. كل صباح ومساء كان هناك من يربّح الناس جميلة “عملنا لكم قانون انتخاب”. كم عدد الذين اقترعوا؟ الايام الاخيرة خرج نحو مليوني شخص يقولون رأيهم وموقفهم وحقيقة صدورهم، برفع الايدي.

العام 2003 أصدرت “دار النهار” مجلداً بعنوان: “البرج: ساحة الحرية وبوابة المشرق”. طوال ايام كانت كل ساحة في لبنان ساحة الحريات. في النبطية، وفي طرابلس، وفي منطقة مجهولة اسمها جل الديب، وفي زحلة. أقام كل لبناني صندوق اقتراع أمام منزله وأعلن مرشحيه بعيداً عن الصفقات الصفيقة والاثمان المريبة. هكذا اقترع اللبنانيون لاكثريتهم، بعيداً بعيداً عن التوسل الطائفي المشين، والزعامات المزعومة، والبهلوانيات المملة المضجرة المكررة.

هكذا انتخب اللبنانيون، وفقاً لقانون الشهامة والصدق والحرية. ملأوا الطرقات صبحاً وليلاً وظهراً، وغرقت “ساحة النور” في طرابلس باعلام البلد الذي لم يتذكر رؤساؤه القيام حتى بزيارتها. سنة بعد أخرى والدولة لا تقف على خاطر هذه المدينة الحزينة. وفي أي حال، لا تقف على خاطر أحد. مسؤوليتها الوحيدة أن ترث وأن تورِّث وان تقنع الناس – مثل الحواة – بأنها تفعل ذلك من أجلهم.

لم يبقِ المتظاهرون حرمة لأحد. لقد “علمناهم” لغة جديدة فاستخدموها. لم نقدم لهم من امثولة سوى الغضب فملأوا الطرقات والساحات غضباً. نزلوا الى الشوارع بمئات الآلاف لكي يقولوا إنه يمكن ان تفعل اي شيء مع هذا الشعب إلا استحماره. ونزلوا ورقصوا وغنوا في باريس وأوستراليا وجنوب أفريقيا وسان فرنسيسكو، لكي يقولوا لوزير الخارجية إن من الأفضل أن يوفر على الدولة مصاريف السفر. ما من أحد يمكن ان يعلّم اللبنانيين محبة لبنان. الدولة الصادقة لا تحاول استعادة المغتربين من أوطانهم السعيدة، بل تسعى لتحسين وطن بائس ليس فيه وظيفة عمل لأحد.

لم تكتف بالهاء البلد وحده بمعركة رئاسة الجمهورية، بل أقحمنا فيها المُغترب أيضاً. والذين يزينون لوزير الخارحية المزاين، زينوا له أنه يمكن الضغط على واشنطن من خلال اللوبي الايرلندي، فسافر الى دبلن. بالفعل كان هذا صحيحاً قبل 50 عاماً، وأيام الكاردينال سبلمان وجوزف ب. كينيدي. الآن كان في امكان الوزير ان يصل الى بعبدا مستبقاً “زحمة السير”، كي لا يترك وزير خارجية أميركا منتظراً كما ينتظر مرشحو الكراسي النيابية الحالمين بالاصلاح والتغيير.

بقليل جداً من التواضع واحترام كرامات الناس وعقولها، كان يمكن الاستغناء عن مشاهد الايام الاخيرة. هل من شك في ان الذين خرجوا في طرابلس والجبل والمتن وبيروت، إنما خرجوا ضد زيارات الوزير الذي اراد أن يحتضن كل لبنان تحت جناحيه. ليس سهلاً تجيير الزعامات. وما من حكمة في غصب المسافات والمساحات والمقامات والقناعات.

لم يمض يوم واحد في السنوات الثلاث الاخيرة، إلا كان عنوانه الرئيسي الوزير باسيل. ليس الرئيس عون، بل الوزير باسيل. وعلى طريقته، أهان باسيل الطوائف في أعماقها. وجّه الإهانة – من غير ان يعتذر – الى الرئيس بري، حامي التوازنات. وعامل الرئيس الحريري باستعلاء وفوقية يوحي الى الناس بأنه جاء يملي عليه. وصعد الى الجبل يقول إن لا معنى للمصالحة التي أرساها القديس نصرالله صفير، ولا بد من مصالحة تحمل اسمه. التغيير كان يعني تغيير كل شيء قبل باسيل. وشرح قيصر أبي خليل ذلك بأنه منذ 72 سنة الى اليوم لم يعرف لبنان سياسياً يستحق الذكر. لا بشارة الخوري. لا رياض الصلح. لا كميل شمعون. لا فؤاد شهاب. لا كمال جنبلاط، ولا الامام موسى الصدر. ولا يلام قيصر على عدم المامه بتاريخ البلد الذي جعله وزيراً، لكن لا يمكن الناس ان تسامحه على مثل هذا السلوك في مخاطبة تاريخها ورموزها وكفاحها وعبقرياتها.

كل هذه التراكمات غير المألوفة في اسوأ انحطاطات السياسة، تحولت الى تراكمات تجمعت في مليوني بَشَري، تركوا منازلهم وخرجوا يمضون الليل والنهار في حشود تشبه يوم الحشر.

امام هذا الظهور الكبير كان الاختباء الصغير. ما من لبناني، حتى الخونة المحترفين، كان يرغب في أن نصل الى هذا المشهد. ما من لبناني، مقيم أو على طريق الهجرة، كان يتمنى ان يرى مئات الآلاف من البشر تحكي عن الجوع والبطالة وفسق الفساد. جميعنا- من أجلنا ومن أجل لبنان – كنا نتمنى نجاح عهد الرئيس عون. وأي عهد آخر. وأي رئيس آخر. فما يصيب العهد يصيب آخر لبناني في آخر لبنان. المؤسف ان الرئيس أغرق في تدبير السلطة وتفسير القوانين. وكانت علاقته متوترة دوماً مع الرئاستين. ولم يتردد في ان يقول لرئيس الوزراء “خليهم يجو عَ بعبدا تَ نعلمهم كيف بيكون الشغل”.

هذه اللهجة التأديبية كانت مقبولة من الجنرال قبل الوصول الى المقام الأبوي في بعبدا. وسعد الحريري لا يمثل نفسه في السلطة بقدر ما يمثل اعادة إعمار الخراب ورفع الركام وعودة بيروت الى موقعها على المتوسط، أهم كوزموبوليتية في الشرق منذ أفول الاسكندرية.

ممثلوا الكوميديا، ظرفاء وغير ذلك، كانوا يركزون في الرسم الكاريكاتوري لوليد جنبلاط على سؤاله الدائم: إلى أين. الحقيقة أنه السؤال الوجودي الأكبر: إلى أين؟ هل استطاع مليونا شخص، ومَن معهم، من رفاق وأهل، أن يبلغوا الرسالة؟ إذا لم يحصل، فإننا في خطر لم نعرفه من قبل، وما نحتاج اليه ليس ثورة، بل أقل من ذلك بكثير: القليل جداً جداً من التواضع والكثير جداً جداً من التعقل. فالمزيد من الغضب لا ينفع هنا أو هناك. ولا ينفع، بصورة خاصة، التهريج، لأن لا وقت له ولا مكان في هذه اللحظات القدرية.

“الشعب العظيم” يعلن اليوم أنه يعاني الجوع والألم والذل، وأنه يفضل الجحيم على الفساد.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*