الرئيسية / أخبار الاقتصاد / لبنان يتحدث إلى صندوق النقد بلغتين… فأيهما أصدق ومن سيدفع ثمن الـ 100 الف مليار من دين الدولة؟

لبنان يتحدث إلى صندوق النقد بلغتين… فأيهما أصدق ومن سيدفع ثمن الـ 100 الف مليار من دين الدولة؟

يستمر الفريق اللبناني المولج ادارة التفاوض مع صندوق النقد الدولي في تقديم الشروحات والعروض حول خطة التعافي الاقتصادي والمالي التي يأمل ان يحظى من خلالها على الدعم المالي الدولي، وسط تضارب فاضح في الارقام والمعطيات والمقاربات للاجراءات المقترحة في الخطة.

لم يكن مضى على بدء التفاوض بضع جلسات حتى تكشفت فضيحة التضارب في الارقام المقدمة حول خسائر المصرف المركزي، جراء مقاربات وآليات مختلفة بين المركزي وبين وزارة المال حيال الآليات المحاسبية المعتمدة.

وبقطع النظر عن المبارزة كما سماها النائب ابرهيم كنعان، الحاصلة بين الحكومة ومصرف لبنان، فإن استمرار الخلاف حول التفاوت في احتساب الخسائر من شأنه ان يطيل امد المفاوضات، ويزيد ضعف الموقع التفاوضي اللبناني، خصوصا وان جوهر الخلاف لا يقف عند تقييم الارقام، ومن اخطأ ومن أصاب في عملية الحساب، بل يكمن في الواقع عند عملية تقاذف مسؤولية تحمل تلك الخسائر التي تعكس في الواقع الدين العام. فخطة الحكومة صنفت الديون بالدولار وبالليرة ضمن خانة الخسائر وحملتها للمصرف المركزي والمصارف، فيما يرفض هذان الفريقان تحمل مسؤولية خسائر هي ديون الدولة المستحقة لهما.

وبعيدا من لغة الاتهامات، ومن وجهة نظر حكومية، فان التفاوت في احتساب الخسائر يأتي على محورين: الاول يكمن في الفروقات الناتجة عن احتساب سعر صرف الدولار. اذ عادلت الحكومة الارقام على اساس دولار بـ 3500 ليرة، فيما احتسبت المصارف في ورقتها الدولار على اساس 3200 ليرة، وفق السعر الذي حدده المصرف المركزي. وعملية الاحتساب هذه تنطبق ايضا على تقييم الذهب، بحيث برز ايضا التفاوت بين تقييم الحكومة وتقييم مصرف لبنان.

اما المحور الثاني والاهم والاخطر، فيتصل بالفروقات المتعلقة بالخسائر بين خطة الحكومة وورقة المصارف، التي لم تحتسب الدين العام في ورقتها، وذريعتها انها غير معنية بهذا الدين، فيما احتسبت الخطة الحكومية هذا الدين على انه خسائر مسجلة في محفظتي المصارف والمصرف المركزي، بما يحملانه من سندات خزينة بالليرة واوروبوندز. ومبرِر الحكومة ان هذا الاحتساب يأتي في اطار اعادة هيكلة الدين العام، و عملية الاقتطاع (Haircut) التي ستتم على السندات بالليرة وبالدولار. وهذا ما طرح الاشكالية القائمة اليوم والمرشحة للتفاقم، ما لم يتم التفاهم بين الأفرقاء المحليين على توحيد مقاربتهم لعملية الهيكلة والاقتطاع الذي سيتم. علما ان المعلومات المتوافرة تؤشر الى ان التوجه الحكومي يرمي الى ان تكون نسبة الاقتطاع 60 في المئة على سندات الاوروبوند و40 في المئة على سندات الخزينة بالليرة. ما ينقض وعود الحكومة بحماية أموال المودعين، لاسيما وان حاملي هذه السندات بالليرة او بالدولار هم من اللبنانيين، وجزء غير قليل منهم من صغار المودعين الذي طمعوا بالفوائد المجزية على هذه السندات، واطمأنوا الى ضمانة استثمارهم في أوراق الدولة، على قاعدة ان الدولة لا تفلس. لكن الدولة افلست، وترفض اليوم سداد ديونها من اصولها، بل من أصول القطاع المالي.

وللتذكير، تحمل المصارف في محفظتها 11 مليار دولار سندات اوروبوند، مقابل 5 مليارات يحملها المصرف المركزي، و17 الف مليار ليرة سندات خزينة بالليرة، يقابلها 44 الف مليار ليرة في محفظة المصرف المركزي، اي ما مجموعه 61 الف مليار ليرة و16 مليار دولار، اي ما يفوق مجموعه 100 الف مليار ليرة!

من وجهة النظر المصرفية، وبحسب ما ورد في ورقة المصارف، يرى المصرفيون ان ثمة خطأ حسابياً وقعت فيه خطة الحكومة، حين احتسبت الخسائر مرتين.

وفي انتظار الوصول الى قواسم مشتركة حول آلية الاحتساب، علما ان مصادر رسمية تكشف ان ارقام صندوق النقد اقرب الى ارقام الحكومة، منها الى ارقام المركزي والمصارف، عُلِم ان الخطة الحكومية ستشهد على مسار المفاوضات الكثير من التغييرات، وأول الغيث هو بحث الحكومة عن طريقة تحول دون المس بالودائع، بعدما لاقى هذا الإجراء المقترح ردود فعل سلبية عارمة. وتدرك الحكومة ان أمامها، وفي موازاة المفاوضات الشاقة مع الصندوق، مفاوضات مماثلة مع المجلس النيابي، حيث الكتل النيابية على اختلاف انتماءاتها ومشاربها، تنتظر وصول البرنامج مع الصندوق الى طاولتها لتشريحه وربما نسف الجزء الأكبر منه، خصوصا وان القوى السياسية الممثلة في المجلس تعي جيداً ماذا يعني البرنامج مع الصندوق، وماذا يعني التراجع او عدم الالتزام عن تنفيذ مندرجاته، وهو ما لا تعرفه الحكومة الطرية العود على تجارب على هذا المستوى!

sabine.oueiss@annahar.com.lb