الرئيسية / مقالات / لبنان والعراق: قصص وجع متشابهة وأمهات عراقيات لا يهبن الموت

لبنان والعراق: قصص وجع متشابهة وأمهات عراقيات لا يهبن الموت

 مريم مشتاوي 
القدس العربي
28112019
https://www.alquds.co.uk/

منذ بداية الثورة في العراق ولبنان والقصص الإنسانية الموجعة تطل علينا من كل حدب وصوب.
ربما وجع الشعوب متشابه ولكن للعراق الحصة الكبرى مع الموت.
قصص تناقلتها الفضائيات ووسائل التواصل الاجتماعي ليصبح أبطالها شخصيات قريبة من أرواحنا، أبطال دخلوا بيوتنا عبر الشاشة الصغيرة ليسكنوا أفكارنا ويستيقظوا في أحلامنا حين نغفو هرباً من بشاعة الواقع.
وبتنا نتساءل: هل الذي يطرح أسئلة غير أسئلة السلطات البائسة وجمهورها وإعلامها مجنون؟ هل مجنون الذي يقول إن العالم يسير على رأسه بدل أقدامه؟ هل من يرى العالم يتناسل بالشر والرذيلة مجنون؟
علي شاب عراقيّ أصيب إصابة بالغة وهو يطالب بحقه وحق أهله في ساحة المظاهرات.
سقط أرضاً كعصفور سلام، جريمته الوحيدة أنه تعلم التحليق. فتح جناحيه مرفرفاً في فضاء الحرية. اغتالوه، قتلوه، صوبوا رصاصهم نحو قلبه النابض ليسكتوا به العراق. ليطفئوا شوارعه. لتبقى السلطة سلطتهم فيكملوا مشروعهم، مشروع النهب والدمار.
نُقل علي بسرعة إلى سيارة الإسعاف في محاولة لإنقاذه. وكانت المسعفة داخل السيارة تضغط على جرحه، وهي تبكي راجية من ربها عجيبة تنقذ الشاب من الموت.
ولكن علي كان يعلم أنه قريب جداً من السماء.
هكذا طلب منها باستسلام أن لا تضغط.
قالت له وهو بين الصحوة والموت:
ردد الشهادة يا علي
وساعدته في رفع إصبعه. قبّل يدها. وردد الشهادة مرفرفاً نحو الأفق البعيد. قبلتك يا علي حتماً ستضيء شوارع العراق من جديد.
ماذا نقول عن علي في لحظته الأخيرة، وهو يقبل يد من ساعدته عرفاناً وتقديراً؟
ماذا نقول عن شجاع عراقي لم يهب الموت ودافع عن قضيته عن وطنه حتى الرمق الأخير؟
علي، ليس الشاب العراقي الوحيد، الذي لوّن بدمه الأرض لتنبت ألف وردة جورية حمراء وألف قصيدة حب وألف قبلة سلام.
قصة أخرى عن بطل عراقيّ شجاع آخر لم ير عائلته لأسابيع بسبب وجوده الدائم في ساحة الحراك الوطني، وحين أتت أمه إلى ساحة التحرير بحثاً عنه، ارتمى بين أحضانها كطفل صغير. ونام مطمئناً!
مشهد إنساني عميق تناقله رواد التواصل الاجتماعي ليؤكد على عظمة الأمهات ودورهن، الذي لا يستهان به في دعم أبنائهن وتشجيعهن لاستعادة الأوطان. أمهات شامخات لا يخشين الموت. كن منذ اليوم الأول للمظاهرات في الصفوف الأولى يدعمن ثورات الشباب بكل ما استطعن إليه. يطبخن للمتظاهرين، ينظفن الشوارع، ويدقدقن على الطناجر بمعالق المطبخ الخشبية والحديدية لإزعاج الحكومات النائمة علها تصحو. أمهات يقفن في الصفوف الأولى، أمام أبنائهن، حين يتعرضون للعنف. ومنهن الحاجة طوعة التي نقلت قصتها قناة «السومرية» الفضائية العراقية.
إنها تذهب كل يوم إلى ساحة «الحبوبي» في الناصرية المنكوبة.
لم ينل منها التعب أو الملل في القدوم فجر كل يوم من مدينتها الفهود شرق محافظة ذي قار مع زوجها الكهل وأولادها الثلاثة، حاملة معها ما تيسر من مستلزمات الخبز. الحاجة طوعة، كما تسمي نفسها، حسب «السومرية»، اعتادت أن تفترش ساحة التظاهر مشاركة شبابها مساعيهم نحو الإصلاح، لكن على طريقتها الجنوبية البسيطة.
ونقلت الفضائية عن زوجها قوله إنهم يعيشون حياة بسيطة متواضعة، ورغم ذلك يجتهدون في جمع ما يعيلهم على تحضير الخبز من الصباح وحتى المساء. ويشعرون بأن ذلك جزء من المسؤولية الوطنية والأخلاقية تجاه الشباب المعتصم في الناصرية.
أما في بيروت فقد انتشر عبر الفضائيات والـ»سوشيال ميديا» فيديو لأم وهي تشد بابنها بكلتي يديها حين حاولت عناصر قوى الأمن سحبه بالقوة لفتح الطريق. كانت بمفردها تشد بمحبة الأمومة، التي لا قوة أخرى تغلبها. تحاول أن تدافع عن ابنها، الذي جلس على الأرض مع شبان آخرين يعتصمون بسلمية ضد النظام الفاسد مطالبين بإسقاطه.
نحن هنا إزاء جرح سياسي متقيح في أكثر من مكان عربي، لم يملك أمامه الشباب سوى النزول إلى الشوارع، حتى لو كانت حياتهم هي الثمن. جيل كامل من الشباب فقد الثقة في أنظمته السياسية، وخذلته أحزابه، التي وعدته بتحقيق حلمه في الديمقراطية والعدالة كذباً.
ولم يبق أمامه سوى أن يبادر، ويتولى الأمر بيديه. وها هو يكتب ملحمته الخاصة، جاعلاً من معاناته وحتى موته عنواناً لجيل جديد لا يهاب الموت من أجل بلوغ الكرامة وتحقيق بناء وطن حر يسع للجميع.
ما حدث في الأسابيع الأخيرة في العراق ولبنان يؤكد هذا العنوان البارز والجديد لهذا الجيل الجبار، الذي لم تنطلِ عليه حيلة الطائفية، كما انطلت على سابقيه. رفع الشباب في لبنان والعراق صوت الوطنية عالياً متجاوزين تلك الثقافة التقليدية، التي ترسخت سابقاً حتى بات يُعتقد أن المجتمعين اللبناني والعراقي هما مجتمعان طائفيان بامتياز.
لقد كسر الشباب في البلدين هذا المعتقد الخاطئ، وكشف أن النظام السياسي بات عاجزاً عن مواكبة طموحات الشباب، التي تريد وطناً شاملاً، حاضناً للجميع، وليس وطناً عبارة عن دكاكين طائفية، تضيق حتى على ساكنيها.
هناك إفراز جديد لمشهد سياسي مغاير، سواء اعترف السياسيون المتعجرفون بهذه الحقيقة أم لا، طليعته هؤلاء الشباب الذين يرفعون شعار الكرامة بصدور عارية. زمن المرتزقة والوصاية على لبنان والعراق وغيرهما سيندحر، كما اندحرت الأزمنة التي تشبهه على مر التاريخ الإنساني.

كاتبة لبنانية

كلمات مفتاحية

اضف رد