لبنان معزول عن لهيب المنطقة!

ان تكون المنطقة على حافة حرب اقليمية او في خضم مناورات حربية مكلفة بين الولايات المتحدة وحلفائها من الدول الخليجية من جهة وايران من جهة اخرى فيما لبنان يمضي قدما في مناكفاته الداخلية بعيدا من التأثر بما يجري في الوقت الذي كان ادنى تحرك او موقف ينعكس سلبا عليه فهو امر مهم وفق مصادر سياسية نظرا الى الغليان الذي يسود المنطقة. وليس هذا ما يتم توقعه في احوال كهذه تماما كما كان غير متوقع بالنسبة الى اندلاع الانتفاضة ضد النظام السوري من دون ان يصل الحريق الى لبنان على رغم التاثير المباشر لسوريا في هذا الاخير. لا بل ان هناك سمة لافتة تتصل بالمكوكية الديبلوماسية التي يقوم بها مساعد وزير الخارجية الاميركي ديفيد ساترفيلد بين لبنان واسرائيل بغرض وضع الية التفاوض بين البلدين حول الحدود بينهما. وسواء كانت المسألة برعاية الامم المتحدة او بوساطة الولايات المتحدة ولمدة ستة اشهر محددة او بمهلة مفتوحة فان هذا لا ينفي ان هناك تفاوضا لم يكن متخيلا او ممكنا حصوله في افضل الاحوال من ضمن الظروف الراهنة. ومع ان لبنان “دوزن” تفاعله الرسمي مع مكوكية ساترفيلد بعد موجة ايجابية كبيرة خلفت نقزة ما اضطر المعنيون الى فرملة انطباعاتهم والتقليل من الايجابية التي تم تعميمها، فان استمرار ساترفيلد في مهمته اقله حتى تثبيت تعيينه من الكونغرس الاميركي سفيرا لبلاده في تركيا، وهو امر تمت عرقلته اخيرا من احد الشيوخ، يشي بان هناك تقدما ولو متدرجا على خلفية الرفض المسبق للديبلوماسي الاميركي وفق ما ابلغ الى المسؤولين اللبنانيين ان يقوم بمكوكية مماثلة لتلك التي كان يقوم بها وزير الخارجية الاميركي السابق جون كيري من دون نتائج. لكن هذا لم يمنع الشكوك الكبيرة ازاء ان تأتي المفاوضات باي نتيجة عملانية تبعا للربط بينها وبين التطورات في المنطقة بحيث يبدو غير محتمل اطلاقا ان يتفق لبنان مع اسرائيل على ترسيم حدوده البرية والبحرية راهنا وفق ما يتوقع كثر والا فان المؤشرات بالغة الاهمية لاتفاق سيترك صدى مدويا لاتفاق ينخرط فيه “حزب الله” ولن يكون بعيدا منه باعتبار انه يشرف بشكل غير مباشر على ما يجري ولن يحصل اي ترسيم من دون موافقته وذلك في ظل التصعيد ضد ايران في المنطقة اميركيا وخليجيا والذي لن ينتهي غدا. يضاف الى ذلك ما يتم التوقف عنده من احتمال بدء المفاوضات مع اسرائيل في ظل عدم وجود حكومة اسرائيلية فاعلة في انتظار الانتخابات الاسرائيلية في ايلول المقبل، وهو امر يثير التساؤلات في الاحوال العادية عن مدى المساهمة في اعطاء فرصة اكبر لبنيامين نتنياهو في وجه خصومه باعتبار ان مآل المفاوضات سيؤدي الى اقفال ملف مهم مع لبنان يتعلق بالتهديد الذي يشكله “حزب الله” من حيث المبدأ من خلال نزع الذرائع المباشرة من اجل قيام حرب بينه وبين اسرائيل بعد ترسيم الحدود البرية والبحرية حتى لو ان الدوافع الاساسية للترسيم هو الاعتبارات الاقتصادية وما قد يجد لبنان ومعه الحزب وكذلك اسرائيل مصلحة راهنا في تنظيم الخلاف حول الحدود البحرية في شكل اساسي لان الحدود البرية قائمة وتحتاج الى تثبيت ليس الا فيما الحاجة كبيرة للاستفادة من الثروة البحرية بالتنسيق بين دول المنطقة اي من جانب كل من اسرائيل ولبنان مع هذه الدول وليس بين بعضهما. لكن هذه العوامل كلها ليست مطروحة عمليا في السياق الجاري اضافة الى ائتمان الجهة الاميركية لتلعب دور الوساطة بين الجانبين اللبناني والاسرائيلي اقله بالنسبة الى “حزب الله”، هذا عدا فك الترابط عن المسار السوري مع اسرائيل الذي بات مجهولا في ظل الاقرار الاميركي بسيادة اسرائيل على الجولان السوري المحتل. لكن ما يتوقف عنده البعض هو تسليم ايران لبنان نزار زكا في مؤشر لم تغب ملاحظته في حمأة التصعيد الاقليمي كذلك ولو انه قيل ان اطلاقه تم من دون ثمن.

هل المكوكية الاميركية العاملة على الية التفاوض تشكل حصانة للبنان في الظروف الراهنة؟

هناك عوامل اخرى فاعلة في هذا الاتجاه وفق مصادر ديبلوماسية من دون ان يكون لبنان محميا فعلا من تداعيات ما يحصل في المنطقة لكن التوافق لا يزال موجودا على تحييده لالتقاء مصالح متعددة حتى لو لم تعد المجموعة الدولية التي قامت في 2012 من اجل الالتقاء على تأمين مظلة الاستقرار تجتمع كما في السابق. لكن فيما تنشط المكوكية الاميركية للتفاوض حول الحدود مع اسرائيل يسعى لبنان الى توريط روسيا في ترسيم الحدود البحرية مع سوريا نظرا لرفضها ترسيم الحدود البرية علما ان ذلك يثير تساؤلات عن مدى “العداء” اللبناني السوري الذي يحتاج وسيطا دوليا من اجل ذلك وليس خبراء مثلا من الطرفين في حال كان النظام السوري مؤهلا او قادرا على ذلك او نظرا لعدم قدرة لبنان على التحاور صراحة مع النظام قبل اعادة الاقرار بشرعيته اقليميا ودوليا. لكن في ظل هذه العوامل الايجابية الى حد نسبي كبير، فشل المسؤولون في الاستفادة من الفرصة من اجل اثبات الحد الادنى من القدرة على ادارة الشأن الداخلي الذي وان كان يعتبر كثر ان التجاذبات او التوتر الاقليمي يترجم من خلال ما يحصل من مناكفات على نحو مباشر او بالواسطة، فان اخرين يعتبرون ان هناك توظيفا متعمدا للواقع الاقليمي ينفذ منه البعض لتحقيق اهدافه في الوقت الضائع والذي يفرض نفسه بقوة بدليل تجميد الحركة السياسية من ضمن هامش محدد عنوانه التسوية السياسية بحيث يصعب الخروج منها راهنا على الاقل.

rosana.boumonsef@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*