الرئيسية / home slide / لبنان: مرشد للجمهورية أم جمهورية للمرشد

لبنان: مرشد للجمهورية أم جمهورية للمرشد

ربيع فخري
– باحث في علم الاجتماع
08072020

تحدّث أمين عام “حزب الله” مع الجميع، وجه رسائل لمختلف المكونات السياسية الداخلية وللمجتمع الدولي والولايات المتحدة لكنه قفز عن انتفاضة اللبنانيين منذ 17 تشرين الأول، تعاطى معها على أنها غير موجودة، أو أنها انتهت، أو ماتت، وحناجر الناس انطفأت…

منذ 19 تشرين الأول/ أكتوبر، تتوالى خطابات الأمين العام لـ”حزب الله” بوتيرة متسارعة ولكن غير متسرّعة لتكرّس الرجل كحاكم أعلى للجمهورية المتهالكة في مئويتها. فمنذ اللاءات المشهورة في خطابه الأول وصولاً إلى الحديث عن المؤامرة الخارجية وعملاء السفارات المندسين في الثورة ولتصنيف المنتفضين بين حراك خيّرٍ يَرضى عنه ويتفهمه، وبين حراكِ شرٍّ مدسوسٍ بأجندات وارتباطات خارجية يُنهي عنه ويحذّر منه. 

لكنه في الخطاب الأخير، ظهر مباشرة كحاكم البلاد الفعلي، أو المسؤول الأعلى الذي تقوم على عاتقه مهمة وضع الخطوط الاستراتيجية للخروج من الأزمة وطمأنة اللبنانيين. فالأمين العام لـ”حزب الله” ومن خلفه المنظومة الحزبية والسياسية، يرفضون تصنيفه كالقائد الفعلي أو الأعلى للبلاد ولربما يعود ذلك إلى رغبة في تفادي إلباس الحزب المسؤولية عن الانهيار وإفلاس البلاد وضياع ودائع اللبنانيين. لكن ما يتناسونه أو يجهدون لإغفاله أن الحزب ومنذ يومه “المجيد” في السابع من أيار/ مايو عام 2008، رسم بالحديد والنار ملامح قيادته المباشرة للنظام اللبناني. وهذا ما كرّسه في مؤتمر الدوحة بمعادلة الثلث المعطل من جهة وما فرضه في البيانات الوزارية اللاحقة من معادلة وصفها بالذهبية الثلاثية، والتي تضم الشعب والجيش والمقاومة.

قفز عن انتفاضة اللبنانيين منذ 17 تشرين الأول، تعاطى معها على أنها غير موجودة، أو أنها انتهت، أو ماتت، وحناجر الناس انطفأت، وأصوات المعتصمين على المصارف خفتت، أو قطع الطريق لم يعد يحصل، والأب الذي ذهب بابنه إلى شركة الكهرباء ليضمن تشغيل الجهاز الطبي يعيش في لالا لاند، أو أن ودائع اللبنانيين لم تتبخر.

هذه المعادلة التي لم يتحدث عنها في خطابه واستبدلها بأخرى جديدة تنحصر بالدولة والشعب، ومن دون أن يوضح أين تموضعت المقاومة التي تشارك في الحكومات منذ الـ2005 لليوم والممثلة بكتل نيابية ووزارية وتحصد جزءاً من المحاصصات الوظيفية والإدارية والتي قامت منظومتها السياسية والأمنية (ببعض أجهزتها) بالدفاع الشرس والمستمر عن بنيان نظام جمهورية ميشال شيحا المتهاوي. هذه المقاومة، التي ينتمي إليها قضاة كالقاضي محمد مازح الذي اصدر مؤخراً قراراً بمنع الاعلام من اخذ تصاريح اعلامية من السفيرة الاميركية في بيروت ما خلق انقساماً حاداً في لبنان، السيد حسن “جبر” بخاطره في جزء من حديثه وكأنه يواسيه ويقول له، “اصبر فإن الله مع الصابرين”. 

في خطاب الأمس التأسيسي، والذي أتى ليكمّل ملامح الجمهورية التي يراها السيّد مناسبة للبنانيين، وهذا حقه كمواطن بالدرجة الأولى وكسياسي وزعيم لأكبر الأحزاب اللبنانية وأكثرها تسلحاً ومقدرة على مصارعة القوى الإقليمية لا بل العالمية، أرسى الأمين العام لـ”حزب الله” ملامح الجمهورية الجديدة التي يريدها. فهو حدد للمسؤولين الدور الإيجابي الواجب أن يقوموا به مثنياً على مبادرة رئيس الحكومة بالاتصال بالسفير الصيني لبحث إمكانات التعاون، ومقدماً زيارة الوفد العراقي الاخيرة الى بيروت كنموذج للتعميم وطالباً من السلطات المعنية اللبنانية تشكيل وفد لرد الزيارة وتوطيد إمكانات التعاون. هو أيضاً، أخبر القاصي والداني أنه لا يسعى إلى تغيير وجه لبنان لا الثقافي ولا الحضاري ولا حتى الاقتصادي حتى أنه قال علناً، ولمرتين، إنه لا يسعى للبنان شيوعي أو اشتراكي في محاولة قد تبدو إذا ما أُسيء الظن بها أنها إشارة أمان لجمهورية “فقرا كلوب” (نادي اثرياء لبنان)، بأن مصالحها وإن مُسَّت جزئياً فهي محفوظة. ليحمل الخطاب أيضاً رسالةً إلى الخارج، مفادها، أن الجمهورية، التي يقودها، ميشال عون ونبيه بري وحسان دياب، حلفاء “حزب الله: هي جمهورية منفتحة على التعاون مع الجميع لما فيه مصلحة البلد. وهي تدعو الجميع من دون استثناء، ما عدا “العدو”، إلى الاستثمار وتمكين العلاقات الاقتصادية والتجارية الثنائية. هي إذاً جمهورية الانفتاح الاقتصادي الاستثماري على مصراعيه، بهدف إنقاذ البلاد من أزمتها. 

بمعنى آخر هي امتداد للحريرية الاقتصادية مع اختلاف في طبيعة الميزة التفاضلية للبلاد. ففي حين اختار الرئيس رفيق الحريري قطاع الخدمات، هذا ما انتقده أمين عام “حزب الله” بشكل مباشر، يختار هو الصناعة والزراعة كميزتين أساسيتين بإمكان لبنان أن يعبر منهما نحو ضفّة الأمان. المشكلة، أن الانفتاح الاقتصادي يُحتم تصفير المشكلات مع المحيطين الإقليمي والدولي، وهذا ما يعاكس المنحى الذي اتخذه “حزب الله”، منذ أكثر من عقد من الزمن، والذي اجتهد في توسيع مروحة أعدائه، وصولاً إلى ألمانيا أخيراً، حتى أنه بالأمس أشار إلى قلة عدد الدول التي يمكن اعتبارها صديقة لمواقفهم.

هكذا وضع الخطاب أمام اللبنانيين عموماً والحزبيين خصوصاً خارطة طريق ثورية للنهوض الاقتصادي والاجتماعي والتحوّل نحو الاقتصاد المنتج من دون البحث في ماهيّة هذا الإنتاجية التي يسعى إليها أو إمكانات تحقيقها. الرسالة واضحة علينا، وعام 2020، أن نأكل مما نزرع ونلبس مما نحيك ونستخدم ما نصنع. في هذا الشق، وفي معرض الحديث عن كيفية منع الانهيار والجوع كهدف مركزي للمرحلة المقبلة، كان الخطاب يوحي باستعادة، مع فارق القدر والتشبيه، لموروثات ثورية من زمن آخر.

يحمل الخطاب أيضاً رسالةً إلى الخارج، مفادها، أن الجمهورية، التي يقودها، ميشال عون ونبيه بري وحسان دياب، حلفاء “حزب الله: هي جمهورية منفتحة على التعاون مع الجميع لما فيه مصلحة البلد. وهي تدعو الجميع من دون استثناء، ما عدا “العدو”، إلى الاستثمار وتمكين العلاقات الاقتصادية والتجارية الثنائية. هي إذاً جمهورية الانفتاح الاقتصادي الاستثماري على مصراعيه، بهدف إنقاذ البلاد من أزمتها.  بمعنى آخر هي امتداد للحريرية الاقتصادية

في خطاب الأمس، كنا أمام رجل يمتلك من القوة والنفوذ والشعبية ما لم يمتلكه أي زعيم سياسي لبناني خلال الـ100 سنة الماضية؛ يوجه اللبنانيين نحو الاقتصاد المنتج في الوقت الذي سحلت فيه قبضات، بعض “المقاومين”، الجمهور المنتفض على حكم تحالف أمراء الحرب والمصرفيين ورجال الأعمال. ورُفعت قبضات ممثليه السياسيين في البرلمان والحكومة لتصوت ايجاباً على القرارات التي كرّست المحاصصات وعجزت عن محاسبة أي من الفاسدين. يطرح الزراعة والصناعة والنمو المدفوع بالتصدير فيما يتحالف مع قيادات، ويتماهى مع بعضها، قامت مشروعيتها السياسية والاجتماعية على الاقتصاد المعادي للإنتاج المادي والذي يُحتّم خلق فرص العمل وبعض الاستقلالية عن نظام علاقات القوّة الزبائنية التي تأسر العمال. 

في خطابه، المكون من 16 صفحة “فولسكوب” تحتوي على 7494 كلمة، تحدّث أمين عام “حزب الله” مع الجميع، وجه رسائل لمختلف المكونات السياسية الداخلية وللدول الإقليمية وللمجتمع الدولي والولايات المتحدة الأميركية. توجه مباشرةً إلى السفيرة وخاطبها، جبر خاطر القاضي المكلوم، وضع خريطة للنهوض الزراعي والاقتصادي حتى أنه لم ينس تعزية عائلة السيد محمد حسين فضل الله بالذكرى السنوية لرحيله وعزى بالشيخ شمس الدين وأشار إلى اقتراب ذكرى حرب تموز. لكنه قفز عن انتفاضة اللبنانيين منذ 17 تشرين الأول، تعاطى معها على أنها غير موجودة، أو أنها انتهت، أو ماتت، وحناجر الناس انطفأت، وأصوات المعتصمين على المصارف خفتت، أو قطع الطريق لم يعد يحصل، والأب الذي ذهب بابنه إلى شركة الكهرباء ليضمن تشغيل الجهاز الطبي يعيش في لالا لاند، أو أن ودائع اللبنانيين لم تتبخر. يحدّثنا وكأن مياه الأنهر الملوّثة غير الصالحة للشرب أو الري أصبحت زمزماً عذبا! لم يخبرنا “سيّد التحديّات”، بحسب الهاشتاغ الأكثر تداولاً بعد الخطاب، كيف سيحاسب حلفاءه وأخصامه من الفاسدين وناهبي المال العام؟ أسئلة كثيرة علينا طرحها ومحاولة الإجابة عليها إلا أن أبرزها وأكثرها محورية يبقى أن نعلم، هل كنا بالأمس نستمع للنسخة الملبننة، غير المستنسخة، من مرشد الجمهورية في طبيعة علاقته بالمنتخبين؟ أم كنا نستمع لملامح جمهورية المرشد وطبيعتها، التي قد تأتي لاحقاً؟