الرئيسية / مقالات / لبنان: ماذا يستطيع الحريري أن يفعل لحل الأزمة؟

لبنان: ماذا يستطيع الحريري أن يفعل لحل الأزمة؟

 رأي القدس
القدس العربي
09122019

بعد تجاذبات عديدة ضمن الاتجاهات السياسية اللبنانية، من جهة، والحراك الشعبي في الشارع، من جهة، اعتذر سمير الخطيب، رجل الأعمال المرشح لتأليف الحكومة، وذلك لعدم تمكنه من تأمين غطاء الطائفة السنّية التي ينتمي إليها (حسب التقاليد السياسية المتبعة منذ الاستقلال عن فرنسا عام 1964)، إضافة إلى قضايا أخرى أثارت المحتجين.
قام فريق رئيس الجمهورية ميشال عون وصهره القوي جبران باسيل بتفريغ مهمة الخطيب من معناها عمليا عبر إجراء اتصالات من خلف الكواليس لتأليف الحكومة التي يفترض بالخطيب رئاستها، وهو ما أثار غضب مجموعة من رؤساء الحكومات اللبنانية السابقين الذين اعتبروا ما حصل خيانة دستورية.
تعود كرة التكليف إلى الحريري مجددا بعد استقالته الأولى استجابة لمطالب المتظاهرين في 29 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، وبعد محاولته اللاحقة الفاشلة لتأليف حكومة «تكنوقراط» (أو «تكنو ـ سياسية»)، فهل يستطيع الحريري هذه المرة فعلا أن يؤلف حكومة تتحقّق فيها شروط يوافق عليها الحراك الشعبي، أم أن الأمر لن يعدو مسرحية جديدة تديرها الأطراف النافذة في اللعبة السياسية اللبنانية، وخصوصا «حزب الله» وفريق الرئيس عون وصهره، ويكون الحريري وجها لها؟
على عكس السنوات السابقة، فإن لدى الحريري مفاتيح مهمّة يمكنه الاستفادة منها لتغيير وضعه الضعيف نسبياً في المعادلة السياسية اللبنانية، والذي كان يدفعه للخضوع أحيانا كثيرة لابتزاز الطرفين المذكورين، وكذلك لأطراف إقليمية، كالسعودية (التي كانت لعقود تعتبر البلد الحامي والراعي للسنّة في لبنان)، وإيران (التي تعتبر راعية الشيعة ومموّل «حزب الله»)، والنظام السوريّ (حتى في زمن ضعفه الشديد الحالي).
تتمثّل هذه المفاتيح في أن «حزب الله» ليس حاليّا في وارد المغامرة بابتلاع النظام السياسيّ اللبناني عسكرياً، كما فعل في 7 أيار/مايو 2008، فهذه المغامرة، في الظروف الراهنة، قد تكسر النظام اللبناني نفسه، وتضع الحزب في مواجهة مباشرة مع قطاع كبير من الجماهير اللبنانية الثائرة، وكذلك مع النظام الدوليّ برمّته، وقد تقذف بالبلد إلى هوة حرب أهليّة جديدة.
أما تيّار «لبنان الوطني» التابع للرئيس عون وصهره، فلا يملك بدوره لا الحاضنة الجماهيرية الكافية لمواجهة الثورة الجارية، وإذا كان استقواؤه بـ«حزب الله» قد قاده إلى السلطة، فإن هذا العامل صار عبئا كبيرا لا يمكن تصريفه لا في لبنان ولا في الساحات الإقليمية والدولية الحاليّة.
تعرّض جناح الحريري إلى شكل من أشكال «المظلومية» ضمن التوازنات المذكورة، لكنّه أيضاً جزء من نظام الفساد والمحاصصة، وإذا كان من مصلحته الاستفادة من الوضعيّة الراهنة، فإن إمكانيّاته محدودة أيضاً بهذه الوضعيّة، وتوجيهه الدعوة للدول المانحة لإكمال مشروع القروض الدولية «سيدر» لتأمين محفظة مالية لدعم الاقتصاد المتهالك للبلاد، وقبوله رئاسة الحكومة، قد يساهمان في حل أزمة أطراف المعادلة السياسية اللبنانية، لكنّهما، بالتأكيد، لن يحلا الأزمة الطاحنة للبلد، والتي تحتاج نظاما سياسيا جديدا يؤسس دولة ديمقراطية ومدنية حديثة على أنقاض دولة الفساد والطائفية.

اضف رد