الرئيسية / مقالات / لبنان… مأزق عبثي بين مأساة وملهاة

لبنان… مأزق عبثي بين مأساة وملهاة

من بين اهداف العقوبات الاميركية على إيران تجفيف قدرتها على تمويل “حزب الله”

رفيق خوري 
كاتب مقالات
رأي
 السبت 11 أبريل 2020 0:10
https://www.independentarabia.com/node/110231

التحدي اليوم امام قياديي لبنان توحيد الموقف من استخدام العلاج المطلوب للازمات (دالاتي ونهرا)

لبنان في مأزق عبثي بين مأساة وملهاة على مسرح واحد، المأساة هي بالطبع تراكم الأزمات النقدية والمالية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية فوق رؤوسنا من قبل أن يضربنا وباء كورونا ويفرض علينا العزلة التي فاقمت الأزمات.

والملهاة هي أن التركيبة السياسية التي صنعت هذه الأزمات بالسياسات الخاطئة، عن قصد، وعاشت عليها وجنت منها الثروات، ودفعت بنا إلى الهاوية، بقيت فوق، وأعطت نفسها مهمة حل الأزمات، أما المأزق العبثي، فإنه في كوننا نعرف العلاج، لكننا لا نستطيع استخدامه ولو حصلنا عليه، فقط لأن العلاج المالي الذي نحتاج إليه مشروط بإجراء إصلاحات “حقيقية ملموسة ذات صدقية” بل أيضاً لأن السلطة تتحايل على الإصلاحات منذ التزمتها في مؤتمر سيدر “قبل عامين”.

فضلاً عن أنها ممنوعة من جلب العلاج ولو قامت بالإصلاحات، ولا فقط لأن من الوهم إنقاذ لبنان من أزماته المتعددة بلا تغيير سياسي، بل أيضاً لأن الممسكين بلعبة السلطة يمارسون تزوير طبيعة الأزمة السياسية، وبالتالي تزوير نوع التغيير لمنع التغيير الجذري، وأحدث ما يعبر عن واقعنا هو مشهد الاجتماع الأخير في القصر الجمهوري لممثلي “مجموعة الدعم الدولية للبنان” مع المسؤولين الكبار، لا بالنسبة إلى ما خاطب به المسؤولون ممثلي المجموعة حول أوضاعنا الصعبة والدعم الذي نحتاج إليه والخطوط العريضة لبرنامجنا الإنقاذي الإصلاحي وما قاله بعض الممثلين من تكرار الشروط والاستعداد للمساعدة بل بالنسبة إلى ما جرى تجنب الإشارة إليه.

إذ بين ما تجاهل المسؤولون الحديث عنه هو إصلاح قطاع الكهرباء الذي كلفنا حتى اليوم 40 مليار دولار من دون كهرباء، مع أن سر التجاهل مكشوف والحريص على الاستهتار بالقطاع معروف، وبين ما تجنب الديبلوماسيون التركيز عليه هو مواقف من الفريق السياسي الذي جاء بحكومة حسان دياب، وبشكل خاص من “حزب الله” صاحب الحكومة و”ضابط الإيقاع” بين حلفائه فيها، ذلك أن لبنان يلحّ على تنفيذ ما جرى التزامه في “مؤتمر سيدر” برعاية الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من مساعدات واستثمارات بقيمة 11 مليار دولار، ولكنه بعد عامين من مماطلته في موضوع الإصلاحات المطلوبة، وبعدما فرض كورونا الركود الاقتصادي على العالم كله، وهو يتوجه نحو العرب والغرب في طلب المساعدة، وسط دعوات من يلعب دور “مرشد الجمهورية” السيد حسن نصر الله إلى التوجه شرقاً نحو روسيا والصين وإيران.

وحين يقول وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو إن من بين أهداف العقوبات الأميركية على إيران تجفيف قدرتها على تمويل “حزب الله”، فإن من الوهم أن نراهن على سياسة تختصرها معادلة غير واقعية، العرب والغرب يمولان الاقتصاد، وإيران تموّل وتسلّح “حزب الله” وتمسك من خلاله بالقرار في لبنان، من قرار الحرب والسلم كما في أدبيات المطالبين بسيادة الدولة إلى القرار في إدارة البلد.

والتحدي اليوم أمام عهد الرئيس ميشال عون وحكومة الرئيس حسان دياب وصاحب الحكومة “حزب الله” هو توحيد الموقف من استخدام العلاج المطلوب للأزمات، فمن يطالب بتنفيذ “مؤتمر سيدر” يطلب عملياً الذهاب إلى صندوق النقد الدولي، لأن المؤتمر اشترط إشراف الصندوق على تحقيق المشاريع،  و”رسالة” رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ووزير المال غازي وزني كانت موجهة إلى عنوان واضح، عواصم العرب والغرب، لكن “حزب الله” يعارض الذهاب إلى صندوق النقد، ولا يرتاح لتوجه لبنان نحو الغرب السياسي وحتى الثقافي، بمقدار ما هو موضوع في عدد من العواصم العربية والغربية في قائمة “المنظمات الإرهابية”، وليس واضحاً إن كان الحزب يريد الاستمرار في الرفض، والاتكال على كونه صاحب مشروع له اقتصاد وجيش وسياسة خارجية، لكن المؤكد في بلد تعددي مثل لبنان هو محدودية أي مشروع لحزب واحد من مذهب واحد.

ولا يبدل في الأمر أن يكون جزءاً من مشروع إقليمي بقيادة إيران، فالمشروع الإقليمي الذي يتقدم في العراق وسوريا ولبنان وأماكن أخرى، يتعرض لضغوط أميركية وأوروبية هائلة من أجل انحسار المشروع في إطار أية تسوية لرفع العقوبات، ومن دون الذهاب إلى صندوق النقد لطلب المساعدة المقدرة بحوالى 15 مليار دولار في ورقة إصلاحية تعدها الحكومة، والنقاش معه على أساس برنامج إصلاحي لبناني واضح، فإن لبنان في خطر الانهيار الكامل، ولا وزن لأية قوة أو أوزان حين يصبح البلد في حال انعدام الوزن، والتجارب كثيرة وراءنا في الحرب وما بعدها، فأين الميليشيات التي كانت في الحرب أقوى من الدولة؟ وإلى أي حد يمكن استمرار وضع لا تكون فيه السلطة أقوى من الدولة، وأمراء الطوائف أقوى من السلطة، وقوة “حزب الله” تفيض على الجميع؟

يقال إن الفارق بين الذكي والعبقري هو أن الذكي يتعلم من أخطائه، والعبقري يتعلم من أخطاء سواه، لا أحد يتمنى أن ينطبق علينا المثل الأميركي القائل، التجربة مشط تعطيك إياه الحياة ولكن بعد أن تفقد شعرك.المزيد عن:وباء كوروناإيمانويل ماكرون

اضف رد