الرئيسية / مقالات / لبنان: لماذا تصعّد العنف قبل تشكيل الحكومة؟

لبنان: لماذا تصعّد العنف قبل تشكيل الحكومة؟

 رأي القدس 
القدس العربي
20012020

شهدت نهاية الأسبوع الماضي مواجهات دامية بين المتظاهرين اللبنانيين، من جهة، و«قوات مكافحة الشغب» و«شرطة مجلس النواب»، من جهة ثانية، وظهرت فيها أشكال من العنف غير المسبوق من قبل سلطات الأمن، قابلها المحتجون باقتلاع أفرع الأشجار ونزع لافتات الشوارع ورشق القوى الأمنية بالحجارة، وكانت حصيلة هذه المواجهات العنيفة أكثر من 300 جريح، واعتقالات لعشرات المتظاهرين.
تداولت وسائل إعلام عديدة أشرطة فيديو تصور أشكالا من التنكيل بالمتظاهرين المعتقلين بعد إنزالهم من شاحنة تابعة لقوى الأمن الداخلي إلى أحد مواقع الشرطة (ثكنة الحلو)، وذكر بعض الشبان الذين تم إطلاقهم من الحجز بعض أقوال من عذبوهم، والذين عبّروا عن نظرتهم إلى ممارسات النظام السوري ضد معارضيه كمثال مأمول للعمل في لبنان، وكذلك عن كراهيتهم للشعب السوري، وهي أفعال تشير إلى العقلية العنفية التي تسود أجهزة الأمن العربية، والمخاطر الكارثية المترتبة على إطلاق الجماعة السياسية الحاكمة في لبنان يد الأمن للتعاطي مع الحراك، وهو ما ينذر بإنهاء السياسة والدفع المتزايد باتجاه العنف المفتوح ضد المحتجين، كما هو الحال في سوريا (المثال الذي تخوّف فيه الأنظمة جمهورها)، وهو الاتجاه الذي جرى أيضا في مصر، وجار العمل فيه حتى الآن في العراق.
بالتزامن مع ذلك تجري مراسيم تشكيل حكومة كما لو أن انتفاضة لم تحصل منذ ثلاثة أشهر في البلاد، حيث تقوم القوى الحزبية والسياسية اللبنانية النافذة، والتي قام الحراك ضدها، بتسمية الوزراء المحسوبين عليها، ويقوم رئيس الحكومة المكلف، حسان دياب، بمقابلة المسؤولين عن التدهور الكارثي في الأوضاع السياسية والاقتصادية اللبنانية، وهو ما يعني أنها ستكون حكومة مواجهة مع المحتجين، بحيث يبدو التصعيد العنيف ضد المحتجين، وتحميلهم هم مسؤولية الأزمة الشاملة الحالية، هما العمودان اللذان ستقوم عليهما الحكومة.
إضافة إلى التصعيد الأمني والحملة الإعلامية ضد الانتفاضة لجأت المنظومة اللبنانية الحاكمة إلى الانكفاء السلبيّ لدفع الأمور إلى مزيد من التأزيم والضغط لاستعداء اللبنانيين على المنتفضين، فامتنع القضاء عن التدخل في النزاع بين المصارف التي صادرت عمليا أموال المودعين، وأخذت جمعية المصارف تتصرّف كما لو أنها هي الحكومة، وأخذت المؤسسات الرسمية تعطّل مصالح الجمهور وتؤخر دفع أجور الموظفين والمتعاقدين.
باستخدام هذه الأشكال من العنف المباشر وغير المباشر تحاول المنظومة الحاكمة دفع المنتفضين عليها إلى العنف الذي يبرر عنفها المقابل بحيث تصبح الانتفاضة قابلة للإجهاض فتنتقل الحكومة الجديدة المشكلة من الدفاع إلى الهجوم.
مع تراكم الضغط على اللبنانيين المنتفضين تصبح المسؤوليات السياسية الواقعة عليها كبيرة، وستدفعها إلى تنظيم صفوفها وتخرجها بدورها من العنف المفروض عليها إلى السياسة الواجب اتباعها، وهذا هو ما سيحدد مسار الانتفاضة اللبنانية وقدرتها على البقاء وتغيير توازن القوى لصالحها.

اضف رد