الرئيسية / home slide / لبنان في كتاب البروفيسور أنطوان غصين

لبنان في كتاب البروفيسور أنطوان غصين


شربل النجار
هنا لبنان
06112020

يوم قدّم لي   الصديق المحامي يوسف معوض كتاب Grandeurs et Servitudes de la chirurgie للبروفيسور أنطوان غصين ، قال لي إقرأ!  وضعت الكتاب جانبا وانا العَنُ السّاعة ! ها ان يوسف وبعد أن حمّلني كتابا عن الموارنة فقرأت وآخر في القانون وثالث عن الثورة الفرنسية فأطعت،ها هو الآن يُلزمِني بكتاب عن الطب فلا والله لن أنصاع!  أعاد الكرّة  فقال : “لا تخش  العنوان ففي هذا الكتاب تقرأ لبنان. إنه عصارة تجارب رجل  عشق مهنته وهو طبيب، وهام بزحلة وهو ابنها، ورافق أصدقاء على دروب الحياة ، هم كما هو، درة عين ومثل لكلّ نجيب”.



وبعد أيام عدت الى الكتاب فقرأت :

قرأت “إنسانًا”  طبيبا جرّاحا ريفيًا ومدينيًا في آن واحد … لا تحصى تجاربه ولا يهدأ مِبضعه. ثمانون ألف عملية جراحية بين خمسينيات القرن العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين وأكثر. في تلك الأيام ، كان فقر وكانت حروب وجروح وأحزان  وثمانون ألف عملية جراحية  منها الآلاف ، لآلاف من الذين تشظوا في حروب زحلة وبيروت وآلاف أخرى من عمليّات   أجراها ذلك “الإنسان الطبيب” لوجه ربّه وبلا حساب.

وقرأت “زحلاويًا”  هائمًا   يسكن زحلة لا بل تسكنه المدينة برجالها ونسائها  وبيوتها  وقرميدها وواديها. زحلة ! قامات  قُدّت من صخرها، هم أصدقاء “الحكيم”… ولقد ذكر من الأصدقاء السفراء الزحلاويين : نجيب صدقة وفؤاد الترك وشحادة الغصين وجوزف ابو خاطر وأنطوان شديد  وسليمان فرح وجورج سيام وإدوار غرّة …..وأخشى أن أكون قد نسيت حبّة من حبات تلك السبّحة الذهبيّة المرصّعة بأغلى جواهر لبنان.
أوَ إقتصر أصدقاؤه على هؤلاء؟ لا ! بل في كتابه فصول إعجاب وتقدير خصّصها لمن زامله من كبار المهنة وأعلمهم وأقدرهم ، منبتهم واحد ، ومشربهم واحد،  لبنان!  من أقصاه الى أقصاه.  جدعون محاسب، وفيق طبّارة، نجيب طالب، جوزف هراوي ، بشير سعادة، إميل رياشي، يريفان جديجيان …وسواهم وسواهم.

وقرأت شغفه بالموسيقى وبالسفر وبالتنس وبالسخرية اللطيفة المحبّبة التي لا تؤذي، بل تضفي بعض الإبتسامة ودفء الفرح. إلا أن ما رافقني طوال تصفح كتاب الدكتور أنطوان غصين صورة “لبنان الكبير”  الذي كان  نعم” كان ” كبيرا في كل شيء إلا في مساحته وإنْ  سمح  لي أن أشهد على ذلك بفصول  من كتاب “الحكيم” لإخترت ما عنوانه L’Abbé Pierre à la Bekaa  والذي برأيي يرسم اللوحة اللبنانية بأدق تفاصيلها السياسية والإقتصادية والإجتماعيّة في “ذلك اللبنان الكبير”. ولذا حاولت وبتصرّف قليل نقل ذلك الفصل الى اللغة العربية علني أؤكد كما حاول “الحكيم” التأكيد أن لبنان ليس بلدًأ فقيرا بل هو كبير كبير. ويبقى الشكر للصديق يوسف معوض الذي قدم لي الكتاب  وقال إقرأ …..لبنان .

الأبي بيار في البقاع


للبروفيسور أنطوان غصين
06112020
نص مترجم

 كان عام 1960 ….وكنت ساكنًا  في البقاع. هتف لي يومًا المرحوم ميشال أسمر  ليعلمني  بقدوم “الأبي بيار” الذائع الصيت  الى زحلة في اليوم التالي . وكان  الرئيس فؤاد شهاب قد دعاه  لزيارة القرية الأشدّ فقرًا في البقاع.  لذا طلب منّي ميشال تنظيم برنامج الزيارة  .

كان ميشال أسمر مفكرًا وإنسانا إنسانًا، أسس الندوة اللبنانية التي حضنت الحياة الثقافية في لبنان. وكان “الأبي بيار”  كاهنا كاثوليكيا فرنسيا ينتمي الى الإخوة الكبوشيين وهو قسّ كاثوليكي شارك في المقاومة الفرنسية إبان الحرب العالمية الثانية وأسس فيما بعد  رابطة إيمايوس لإسكان الفقراء. أما  تسمية إمايوس فنسبة  الى قرية فلسطينية وردت في المقطع الأخير من إنجيل لوقا  تدعى “عماوس”.

 يستند تمويل هذه الجمعية الى  ما تبيعه المؤسسة  من أدوات وأواني مستعملة  ليُصرف المدخول  في بناء المساكن للذين دون مأوى.

ذاعت شهرة “الأبي بيار”  إثر ذلك الشتاء القارص ، شتاء 1954 الذي قضى على المشردين مما أطلق، بحسب الصحافة يومها ،حركة تمرّد واسعة عرفت ب “تمرّد الطيْبة” .

إستقبلت في اليوم التالي “الأبي بيار” ومرافقًا  له  فصله القصر الجمهوري لهذه المهمّة. وبعد وجبة سريعة وبعض الصور للزائر المميّز مع عائلتي توجهنا الى “كفرزبد” قرية تقع جنوب زحلة وفي محاذاتها. ولم تكن تلك القرية هي الأفقر في البقاع ولكنها قرية غارقة في الفقر وقريبة من زحلة فاخترتها  لأوفّر على الزائر عناء السفر وهدر الوقت .

عند وصولنا وكان رئيس بلديّة  “كفرزبد” قد أُعلم بوصول الزائر المشهور، ضيف رئيس البلاد ، حاول استقبالنا في منزله. فطلبنا منه زيارة البيت الأشد فقرًا في “كفرزبد” عملًأ بتوجيهات فخامة الرئيس. فأوصلونا إذ ذاك الى منزل طُلب من ساكنه و صاحبه ألا يوفرّ سؤالًا أو نقدًا أو إنتقدًا يوجهه الى ذلك الزائر الكبير.

لقد أستُقْبِلنا في غرفة واسعة الأرجاء وهي في الوقت عينه غرفة جلوس وطعام ومنامة. تحوي سريرًا واحدًا بينما

يفرش الأولاد على الأرض للنوم .

لقد فاجأ الأبي بيار صاحب الدّار بسؤال  لا معقول وغير منتظر إذ قال : ” هل تبيت البقرة التي تعيشون من خيرها  معكم في هذه الغرفة أيام الشتاء أم تبيت خارجها”؟

 انتفض صاحب الدار مغتاظًا مما إعتبره مسًّا بكرامته وقال “في الخارج بالطبع”! فإلتفت “الأبي بيار”  نحوي وقد لاحظ سعة الغرفة ونظافتها وسلامة تهوئتها عبر نوافذ عريضة تسمح بدخول الشمس إليها فقال : “نحن بحاجة الى غرف كهذه الغرفة لإيواء نصف البشريّة.” إذهبوا الى إفريقيا وأميركا اللاتينية والهند وبوليفيا على سبيل المثال وتأملوا قليلا كيف يعيش الناس هناك. سأقول غدًا لرئيسكم أن بلدكم غير فقير وبرنامج نهضوي لثلاث أو خمس سنوات كفيل بحل كل مشاكلكم. بإمكانكم أن تعتبروا أنفسكم محظوظين لأنكم تعيشون في هذه البلاد.

لم نكن في ذلك الزمن نعايش أزمة النازحين السوريين! لكن “الأبي بيار”  كان قد أسس في بيروت عام 1959 أولى تجمعات عماوس الإستثنائية في لاطائفيّتها بالتعاون مع نائب مسلم سنّي هو أنور الخليل ومطران كاثوليكي هو غرغوار حدّاد وماروني يدعى ميشال أسمر. كان اسم ذلك التجمّع “واحة الأمل”

بعد تلك الزيارة الى كفرزبد حاضر “الأبي بيار” في إحدى صالات السينما في زحلة ، وقد أحدثت تلك المحاضرة دفعًا عارمًا باتجاه مساعدة المحتاجين والذين هم دون مأوى.

من تلك المحاضرة علق في ذهني قولان مأثوران لذلك الكاهن الفذّ :

الأول : إن ثمن البسمة أقل من ثمن الكهرباء ولكنها تزودنا  بالنور كما الكهرباء لا بل  أكثر.

والثاني  : علينا أن نعيش لبعضنا وليس ضد بعضنا.

 Grandeurs et Servitudes de la chirurgie: Professeur Antoine Ghossain. Page 21.