الرئيسية / أضواء على / لبنان في شخصيته وحضوره لميشال شيحا

لبنان في شخصيته وحضوره لميشال شيحا

المصدر النهار
19092017

نستعيد في #نهار_من_الأرشيف تقريراً كتب في “النهار” بتاريخ 7 كانون الثاني 1995 يحمل عنوان “لبنان في شخصيته وحضوره لميشال شيحا”، وهو يحمل مقتطفات من كتاب منظر الميثاق الوطني ميشال شيحا “لبنان في شخصيته وحضوره”.


في ذكرى مرور اربعين عاما على وفاة ميشال شيحا، منظّر الميثاق الوطني، ننشر مقتطفات من كتابه “لبنان في شخصيته وحضوره” لما تنطوي عليه من رؤية تعوز كثيرين. (…) وينبغي الا يفوتنا، ونحن في هذا الشرق الذي يعاني الغليان دوما كما يعاني مرض الجدل والتفسير، اننا ارض ميعاد للأقليات القلقة، بل مرتفع تتصعّد منه كل الصلوات وتتناهى حرة الى السماء الاكثر كوكبة وشفافية، بحيث غدونا فسيفساء دينية عزّ على الارض نظيرها، وغدونا لا نجد ما نُدعى به، داخل الأمة والحاضرة، الا معتقدنا او طقوسنا.

ولعلّ اهم علة وجود لهذه التفردية، في ايامنا هذه، الى ما تولّده العادة من قوة تُخشى عقباها، هو حذر الضعاف الغريزي، وفزع البعض من ان يتسلّط عليهم البعض الآخر. ولا كان احد ليتكلم عن الاقليات لو لم يكن في ذاته فزع من اكثرية. لكنما يحدث في بعض الاحيان ان يجاوز الفزع حده ويمسي ضربا من الوهم. وكثيرا ما ادى تنوّع الاصول والمعتقدات الى تنوّع العادات والشرائع، كما تشهد على ذلك قوانين الاحوال الشخصية.

ولعمري ان شأننا، كما نحن، من العقل المجرّد ليكون شأن المحال، لو لم يقترن وجودنا بذاك اليقين المطمئن الذي نجابه به الفلاسفة. ونحن في الحقيقة ضرورة. ناهيك بأن موقعنا الجغرافي يقيم منا بالنسبة الى الاجنبي محطا ومعقلا بالغي الاهمية، على طريق متزايد العالمية. لكن الاهتمام الذي يولينا اياه الغرب وسائر العالم يرتهن كذلك بأسباب أُخَر. فعلى صعيد المعتقد كان من الطبيعي واكثر ان ترى المرسلين يتجهون صوبنا. ولم يكن في مكنة السلطات الروحية التي ندين لها بالطاعة ان تتجاهلنا، ولا كان في مكنتها ان تتجاهل قربنا من الاماكن المقدسة، حيث ترتفع بشتى الصيغ عبادة الإله الواحد.

نحن هنا في غمرة التاريخ القديم وتاريخ الاديان والتاريخ المقدس. والينا وفَدَ رجل الدين حاجا ومرسلا وعلامة. وبذلك تأتّى لنا التعليم، واخذ ينمو شيئا بعد شيء حتى اضحى بحد ذاته علة وجود. وبعدما كان هذا التعليم ابتدائيا في اول امره، جاء التعليم الثانوي فالتعليم العالي فرفداه تدريجيا، ليزدهر من ثمّ في جامعات كبرى ذاع صيتها. وبرزت انماءات جمة في جمة مجالات، على صعيد العلم والابداع الفكري. انماءات آلت الى اجتذاب عدد وفر من الاجانب الى لبنان. وتكاثر الاساتذة والتلاميذ من مختلف المناحي. فكان من امر تدريس اللاهوت، مثلا، انه اوجد الاكليريكية. واوجد تدريس الطب العيادة والمستشفى وما اليها من زبائن قادمين من دان وبعيد.

ولنذكر على هذا الصعيد الاخير، ان منافسة مهددة تترسخ اكثر فأكثر في جوارنا. فحق علينا ان نرقى حثيثا بتقنياتنا ومناهجنا اذا نحن اردنا الا يسبقنا الركب. ولا بدّ من التنويه، في النطاقين العلمي والادبي، ان لبنان يجتذب طبعا الاثري والمؤرخ والصحافي. كما يجتذب، من الناحية العملية، تقنيّ المطبعة. وحسبنا نظرة الى ما حولنا، بذلك نصل الى مسألة اللغات، وهي مسألة كانت لتكون من البساطة بمكان، لو لم تداخلها مؤثرات لا طائل تحتها. فالعربية لغة رائعة، وهي لغة ملايين الناس.

ونحن، لبنانيي القرن العشرين، لا نكون ذاتنا، اذا نحن صدفنا عن ان نغدو سادتها كما كنا سادتها منذ مئة عام. ولعل ما وجب ان يلبث مطمحنا المشروع، هو ان نجيدها ونلقنها على وجهها الاكمل، بحيث نستبقي لنا، الى نفوذنا ومكانتنا، يدا في تزويد العالم العربي اكابر ادبائه وشعرائه وصحافييه. (…) هنا يتبدى، كما اخال، موقف عقيدي وجب ان يكون في طليعة ما نعتنقه، علما بأن لبنان، سياسيا، ليس بلد مجازفات وانقلابات. انه بلد يخلق بتراثه ان يعصمه من القوة.

وكل رجة تنتابه تسيء بقليل او كثير، الى ما يسديه الزمان اليه. ما من يقين اثبت من هذا. ولكي نفصح عنه بمنطوق الاطباء نقول: ان لبنان، فيما هو يعاني عسرا في الهضم، يظل عرضة لاحتقان دماغي يُنزله به اولئك الذين يتمادون في قلقلته. وهذا ليس من الصواب بشيء فكم يجدر بنا ان نؤثر لبلادنا، على سُبل الثورة، سبل تطور بطيء، لكنه عميق. اذاً، سنقيم في وجه الحركة المفرطة التي تنزل الاختلال بتوازننا مؤسسات ثبتة تستطيع ان تصمد بازاء الحملات، اذا نحن حرصنا ان نقيها العثرة عشر سنوات وحسب (وهذا لا يتيسر ما لم نجعلها على اتفاق تام مع طبيعة الأمور).

ولا احسب الا اننا جميعا نلاحظ الى اين افضى بنا توالي التعديلات. واكثر ما يسترعي البال ان الوضع لدى الوصول يتبدى مماثلا لما كانه لدى الانطلاق. فما احوج لبنان اليوم الى موفور من المعرفة والتفهم لطبيعة الجماعات المختلفة التي تشترك في تأليف الشعب اللبناني. ولن يكون في لبنان قوانين نظامية او عادية، حرية بالحياة، اذا هي لا تقيم وزنا لهذه الحقائق العميقة. فعلى هدي هذين المعرفة والتفهم يمسي في وسعنا ان نقول ما يأتي:

1- بما ان لبنان بلد تتشارك فيه الاقليات الطائفية، فلا يمكنه سياسيا ان يستمر طويلا دون مجلس نيابي يكون محط التقاء الطوائف واتحادها، بغية المشاركة في اجراء الرقابة على حياة الامة السياسية. فحينما نستغني عن المجلس ننقل المناقشة لا محالة الى المحراب او في كنفه، ونؤخر بالمقابل التنشئة المدنية. (وحينما لا يكون لنا مجلس نيابي لا يكون لنا ما نصدّ به ضغطا عنيفا يأتي من الخارج).

2- وبما ان لبنان بلد ذو طبقات اجتماعية متباينة، تراوح بين اقصى الوبر واقصى الحضر (حسبنا لفتة الى ما حولنا لنتيقّن ذلك) فليس له، وهو الذي تتوافر لديه قوانين الاحوال الشخصية ان يتخذ من الشرائع ما لا يصح، في الواقع، الا لهذه الفئة من مواطنيه او لتلك، لهذه المدينة او لتلك المنطقة. وفي بعض الحالات نرى بالغ التقدم في التشريع يتلاقى وبالغ الخطل في الحكم والادارة. وهل كانت الشرائع تُسن في بلد الا في سبيل اهليه كافة، مع معدّل واف، على الاقل، لتبريرها. مما لا ريب فيه ان تطبيق مبدأ كهذا ينبغي ان يفسح في المجال لبعض الشواذ، ولكثير من دقيق الفوارق. لكنما وجب ان نقيم الحساب لذلك، اذا نحن ابينا ان يكون القانون نفسه مصدر عصيان او ظلامة.

3- وبما ان لبنان بلد تحيق به المطامع وتتنازعه مبادئ انفصالية هي في طريق الزوال، ان لم تُقترف بعض الحماقات، كما تهدده تطاولات شتى من قبل الناشدين ارض الميعاد، فإن عليه، لكي يبقي عناصره اللوامة في رخاء نسبي ولكي يقطع الطريق على الاغواءات المجاورة، ان يجعل انظمته الضرائبية وقوانينه عامة تشتمل، لبعض الوقت اقله، على فائدة ما، او على مكافأة، او على تساهل، بالنسبة الى قوانين الغير. ان هذا ليبدو بديهيا، ولا بد للاستقرار من عامل الديمومة.

4- وبما ان لبنان بلد تجتازه الطريق في مفرقها، وانه الى حد ما ساحة عمومية، فإن عليه ان يعزز بشرائعه صرح تقاليده، موثقا بشتى الوسائل عرى العيلة اللبنانية، ملقنا اولادنا ايثار الروحي على الزمني والحرية على الرفاه. (…) ونحن اذا تناولنا بالتحليل كل ما يدعو، عندنا الى النقد والملامة، لوجدنا على وجه العموم خرقا فاضحا للقانون. حين ان القانون هو الذي ينظم الموجبات والعوائد، وهو الذي يصون الحريات والحقوق.

اذاً، فالذنب ذنب البشر. فتعدد المخالفات، وتعددها بلا عقاب، من شأنه ان يبطل الانظمة والشرائع. وبما ان الحياة ملأى بهذه الشوائب، لذلك يتحتّم التشديد على القيم الخلقية بنوع اخص. فضلا عن ان تطبيق القانون تطبيقا منحرفا يولّد تلقائيا نوعا من الحظوة والاحتكار لصالح من لا يحسب للقانون حسابا. وهكذا بات علينا في هذه البلاد ان نعتبر الانظمة والقوانين في عداد القيم السايبة. وهذه لعمري الخطورة بعينها، حيث وجب على كل مواطن، وعلى المشترع اولا، ان يتحلى بالشجاعة الكافية لاقتياس اخطائه. ولعل شغفنا بالحريات هو الذي يجعلنا نعلّل الوضع بهكذا وضوح، بل قل شغفنا بهذا الوطن الذي يستأهل ان يتعلم بنوه جميعا، لا نخبته فحسب، كيف يحققون شخصيتهم في دأب لازدهار الكرامة الانسانية. بيد ان القيم الروحية والدينية ما زالت، عندنا، خير ما يبلسم القلوب.

فلقد عرف اللبناني كيف يلبث في الطبقات العلى، وما تخلى قط عن كل ما هو قدوس ازلي. فالروح السمحة هي التي اقامت لبنان البدء، والروح السمحة هي التي توطّد لبنان اليوم، لا بل هي حرية الضمير في الاخوة، لا بل هي الحريات الشرعية بالذات. الا فلنعترف جهارا ان ذلك كله من منن الروح. ونحن اذ ندعو الآن الى الاصلاحات الاجتماعية، والى ما يمليه الوضع البشري من تقدّم اجتماعي، واذ ندعو اخيرا الى القيم، وهي الى حد بعيد قوام الكرامة الانسانية، فإنما عن طريق القلب والروح ندعو.

واكثر فأكثر يجمل ببلادنا، في هذا المجال، ان تكون القدوة، وان تفترع السبيل، وان لا تنصاع للغير في ما يعمل، وان تنشد التطور، أخذاً بتنوع العنصر البشري فيها. ذلك بتقويم الخصائل السياسية والاجتماعية، وبتعويد الانسان ان يحترم الانسان، وان يحترم المواطن رأي المواطن. ولعمر الله ان مهمتنا عظيمة وتبعاتنا جسام. فالامم جمعاء، من عربية وسواها، لم تضنّ علينا برحيب التفهم والعطف. والحياة الدولية طالعتنا بظروف مؤاتية، مثمرة. والقيم الروحية والفكرية اسدت الينا جلى الخدمات.

وبلادنا، في الخارج، توثر بالحب والحرمة، على الرغم من حيّزها الصغير.. فواجبنا نحو انفسنا (ونحو الانسانية كذلك) الا نألو جهدا في سبيل القيم الروحية والانسانية واحلالها المحل الرفيع. ان نوايانا الصادقة ورسالتنا لا يعتريها غموض. وما دور لبنان الا ان يستطلع مطالع القيم، وان يستخلص منها كنهها والحياة. وما واجبنا الا ان نسمو الى مستوى مصير كبير، أكان ذلك في الاخلاق، ام في الثقافة، ام المعارف الانسانية، ام العلوم، ام الالمعية، ام الاعمال. وعلينا كي نبلغ ذاك المستوى ان نوفّق بين مبادئنا وفعالنا، وان نحلّ في بيتنا النظام والترتيب. فمستقبلنا وقف على معرفة القيم ومراتبها. لا عذر لنا اذا نحن ضللنا سويّ السبيل.

(…) نحن في لبنان نأبى الشرائع اللاإنسانية، ونتوخى الثبات النقدي. فلتترسّخ في هاتين النية والارادة، ففيهما فوق ما في جمالاتنا الطبيعية ما يدعو الاجانب الى اعتبارنا بلدا موفور الهناء. وكلما ازدادت شرائعنا اعتدالا وارتكازا على علم النفس (اي على معرفة الاخلاق والناس)، وكلما ازدادت حرمتنا للعقود وصرنا اكثر فأكثر ملاذا للاشخاص والاموال، ذدنا ذودا افضلا عن النظام الخلقي والاجتماعي والاداري والسياسي.

هذا مع العلم بأنه لا يحق للمشترع اقرار قانون، وفي يقينه انه هو لن يخضع له. ولا يخفى ان الاجانب يرون في ارضنا ارضا ميمونة، ويرون فيها البحبوحة والسلام. بينما نحن نكاد لا نصدّر شيئا، ونكاد نستورد كل شيء، مما يبدو ضربا من الاعجاز. ثم ان العمل عندنا ايسر، ولا اقول اوفر، من اي مكان آخر. لأن الدولة لمّا تبلغ تلك المرحلة التي لا تتورّع فيها السلطات العامة عن حبس الانفاس، باسم المبادئ الاقتصادية المزعومة والنظريات الاجتماعية الصارمة الجهماء.

الا فلنأب ابدا كل شطط في ذا. وأحرِ بلبنان، كي يحيا وكي يدوم، ان يتنكّر لما ينتاب الغرب من مرض تشريعي وضرائبي. وأحر به ان ينافح عن الحرية بقدر ما التمرّس بالحرية لا يسيء الى الغير، وطبعا الى الوطن. وحذار الاضاليل التي قد يسوقها الى حكامنا، عن حسن قصد، بعض تقنيي الغرب. وحذار العقائديات المستعرة في الشرق. فكم افضت النية الطيبة ايضا الى الانخداع.

بيد ان الغرب لا يفتأ استاذنا في مجالات العلوم الرياضية والميكانية والاحصاء. وسيبقى كذلك الى ما شاء الله. لكنه ليس استاذنا في حقل الفلسفة السياسية، ومعرفة الطبيعة البشرية والعلم الاقتصادي والمالي. فأين سيكولوجيته العلمية من سيكولوجيتنا التجربية؟ نحن نسبر الانسان ونتغلغل في اعماقه خيرا منه، وخيرا منه نسبر الحريات والقوى التي لا يحصرها حصر، مماجعل بيروت، مثلا، على الصعيد العملي، احدى آخر الاسواق الطلقة في العالم. وعلينا يتوقّف ان نرسي لبنان على قواعد امكن، وان ننمي ازدهاره بمقاومتنا طوعا لكل حكم قياسي يرسل عفوا. ونحن لن نقدم على اعتساف الطبيعة البشرية بحجة ان نسوس امورنا سياسة افضل. فثمة اوهام قتالة لن نتهالك ابدا من اجلها. وعلينا بالنسبة الى الحقول الاقتصادية والاجتماعية والموازنية في الغرب، الا يسترقّنا تقليد حرفي، بل علينا ان نكون حيالها مراقبين نبهاء.

ولو ان التشريع الانكليزي، او تشريع اي بلد اسكندينافي، قد طبق علينا بحذافيره، لتداعت تجارة هذه البلاد، وانهار قوام عيشها في اقل من عام، ولأدى ذلك الى الافلاس والهجرة الجماعية وتردى هذا الوطن في البلوى ينوء بنير من حدثت نعمتهم في سوق سوداء.

ان مستقبل لبنان منوط اساسا بالحرية: حرية العقيدة وحرية في العمل والدأب. وهو منوط برحابة البصر والبصيرة في النظامين السياسي والاجتماعي، وبتسديد الاخلاق والعوائد، أخذاً باحترام الحريات الشرعية؛ ومنوط اخيرا بإزالة القيود والعوائق على مدى وسيع. وهناك امور جمة يستطيع البلد الصغير ان يسوّغها لذاته، فيما يجب على البلدان الكبرى ان تعفّ عنها. فلصغار البلدان امتيازات لا زالت تجهلها هذه البلدان. لكنها ستعرف يوما كيف تستجليها استجلاء افضل.

وشيئا فشيئا سيغدو القطاع الاقتصادي والضرائبي احد اهم قطاعات سياساتنا العامة على الصعيد العملي. ولا يغربنّ عن البال ان تشريعا ضرائبيا لهو بادئ بدء مسألة نفسية وخلقية. وان الشرائع لا تسنّ من اجل ربع الشعب او نصفه، وانه لا يمكن ارغام شعب على اداء الضرائب الباهظة ان كانت كثرة المعنيين فيه متمردة او آبية. والا كان التهرب من دفع الضريبة، وكان تفشي البرطلة والفساد، وخلفهما دولة خائرة لاهثة. كذلك قل عن المناقبية في الاعمال، فإنها اذذاك تلاقي حتفها، ويلاقيه معها نفر من المواطنين المرهفي الذمة، ممن يبهظهم سعر للكلفة اغلى بكثير من سعر منافسيهم القليلي الاحتفال بروح المواطنية والفضيلة. انها لحالة اكيدة من حالات الدفاع عن النفس، حرية بأن يتفهمها وزراء المال في كل البلدان.

 

اضف رد