الرئيسية / مقالات / لبنان .. فوضى وشمشون

لبنان .. فوضى وشمشون



بيار عقيقي
العربي الجديد
https://www.alaraby.co.uk/
07032020


مؤسفٌ ما حصل في بيروت في اليومين الماضيين، قبل اجتماع مجلس الوزراء المقرّر اليوم السبت، لبحث إمكانية دفع سندات “يوروبوندز” في موعدها بعد غد الاثنين المقبل أم لا، فيوم الخميس قرّر النائب العام المالي، القاضي علي إبراهيم، وضع إشارة “منع تصرف” على أصول 21 مصرفاً لبنانياً، وإبلاغها إلى المديرية العامة للشؤون العقارية وأمانة السجل التجاري وهيئة إدارة السير والآليات وحاكمية مصرف لبنان وجمعية المصارف وهيئة الأسواق المالية. كما عمّم منع التصرف على أملاك رؤساء ومجالس إدارة هذه المصارف. ومع أن هذا الوضع شكّل سابقةً في التاريخ المصرفي اللبناني، إلا أنه، في مكان ما، كان قادراً على تشريع الباب أمام محاسباتٍ تبدأ من القطاع المصرفي، وتنتهي بأركان النظام اللبناني، خصوصاً على خلفية الحراك المالي وبيع السندات في الفترة الماضية. قد لا يكون الأمر “مخالفة” بحسب القانون، ولكنه سيضع الأمور في نصابها، خصوصاً إذا ما تبيّن حصول تحويل أموالٍ إلى الخارج. لم يصمُد قرار إبراهيم سوى بضع ساعات، إذ جمّده قرارٌ آخر صادر عن النائب العام لدى محكمة التمييز، القاضي غسان عويدات، بحجّة أن “السلطات المالية الدولية تنوي وباشرت في إيقاف التعامل مع المصارف والهيئات المالية اللبنانية وفرضت ضمانات للعمل معها”، مضيفاً أن “الاستمرار بتدبير كهذا من شأنه إدخال البلاد وقطاعاته النقدية والمالية والاقتصادية في الفوضى، ومن شأنه إرباك الجهات المعنية بدراسة سبل الحلول والسيناريوهات المالية التي هي قيد الإعداد لمواجهة الأزمة التي تمر بها البلاد”. لا يعني هذا سوى أمر واحد: انعكاس الاصطفاف السياسي على الوضع المالي. بالنسبة إلى تيار المستقبل والقوات اللبنانية والحزب التقدمي الاشتراكي وبعض من التيار الوطني الحرّ. القطاع المصرفي هو دعامة لبنان الأساسية، ونقطة الوصل مع الأنظمة المالية العالمية، علماً أن مصطلح “المعجزة المصرفية اللبنانية” كان طاغياً في سبعينيات القرن الماضي وثمانينياته، إبّان الحرب اللبنانية (1975 ـ 1990) على الرغم من تأثيره السلبي للغاية على المواطنين. في المقابل، فإن حزب الله وحركة أمل (رغم ارتباط قطاع واسع فيها مع المصارف) وبعضاً من التيار الوطني الحرّ (المنقسم على ذاته في قرارات كهذه)، يرفضون استمرار القطاع المصرفي بالشكل الحالي.
لكل منهم حساباته. بالنسبة إلى الفريق الأول، تسمح المحافظة على القطاع المصرفي كما هو في كسب ودّ صندوق النقد والبنك الدوليين، حلاً أخيراً للمأزق المالي اللبناني. ويخشى الفريق الثاني أن يتحوّل تدخّل هذا الصندوق وذاك البنك في القطاع المالي اللبناني إلى تدخّل واسع يسمح بوصاية مالية أممية. لم يعد الفريق الأول قادراً على تقديم أي شيء، والفريق الثاني يرفض كل شيء من دون تأمين بديل فعلي. في الحالتين، تحوّل المواطنون اللبنانيون إلى مجرد متلقّين. وإذا فرض البنك وصندوق النقد الدوليان وصايتهما على لبنان، فإن الإجراءات القاسية ستطاول المواطنين وحدهم، وقد ننتظر فترة زمنية تدوم بين ثلاث وخمس سنوات قبل النهوض مجدّداً. وفي حال رفض هذه الوصاية، سيبقى التدهور المالي والاقتصادي والاجتماعي مستمراً من دون أفق.
طبعاً كان الحل واضحاً أمام الجميع، لكنهم رفضوا اعتماده. ألم تسمعوهم كيف تحدّثوا عن محاربة الفساد، ثم عادوا وغطوا الفاسدين؟ ألم تسمعوهم كيف تحدّثوا عن اعتماد معيار الكفاءة في وظائف الدولة، ثم أدخلوا أنصارهم إليها؟ ألم تروهم عاجزين عن معالجة ملفات النفايات والكهرباء والمواصلات والبنى التحتية، لكنهم منشغلون في المعارك الإقليمية والدولية والعربية؟ يشبه أركان النظام مبنىً في طور الانهيار، لكن سكانه ما برحوا يتجادلون حول من صنع الانهيار أو ممّن سيطلبون المساعدة، كعادة لبنانية أصيلة. ربما بعد قليل لن يبقى مبنى، وأركان النظام ليسوا بحاجةٍ إلى شمشونٍ ما لتدمير الهيكل فوق رؤوسهم، فها هم يقومون بـ”الواجب” وأكثر.

اضف رد