الرئيسية / أضواء على / “لبنان فلبنان” كتابُ الوفاء… زافين قيومجيان يلعب باللهب

“لبنان فلبنان” كتابُ الوفاء… زافين قيومجيان يلعب باللهب

غلاف الكتاب.

الصورة بمثابة ذاكرة ولبنان نازف بالمحطّات المؤثّرة. تمرّ لحظات، بعضها يُعلِّم إلى الأبد، ويرسخ. العالم اليوم منتهى القسوة، يفقد القدرة على المغفرة. زافين قيومجيان يُلملم اللحظات الصعبة، يوثّق وجعها ويحفظها في حيِّز تستحقّه. “لبنان… فلبنان”، جديده البديع عن “هاشيت أنطوان”. يطلّ في الزمن المتعثّر، في الضباب اللبناني البارد وأزمة التحوّلات الكبرى. كتاب من صور، من قصص. الصورة عينان تخرقان الصمت. تحطّمان الخوف. تنفضان المستور في الداخل. كانت تلك الحرب مخيفة. ناسها مُنهَكون وظلالهم ثقيلة. يُخرجهم زافين من الماضي إلى الوجود الدائم. يُخفّف عنهم النسيان. الكتاب تحفة من صور. مرجعية للمكتبات. فلفشته رحلة في قطار، حيث الخارج مساحات عريضة من التنافض. الصور أصوات. خلف كلّ صوت، يقف زافين. يراقب ويقارن. يدوّن جُملاً من عمق الإنسان المنسيّ. يعيد إحياءها. يحيلها على الذاكرة الحيّة، ممارساً فنّ الوفاء للشخص والحدث. لم تكن الحرب بوسطة أشعلت شرارة. كانت عجزاً عن تلقُّف الدرس واستحالة العبور إلى الوحدة الحقيقية. لم نتعلّم. يعجز كلّ شيء عن لملمتنا. لا السياسة ولا الاقتصاد ولا الجوع. لا تزال الجثث على الأرض. والدم أيضاً على الأرض. إنّنا نتقاذفه. نتسلّى باللهب. زافين في كتابه فنّان توثيق. يُقدّم نخبة الصور. كتابه يبقى.

النسخة الأولى من الكتاب صدرت في العام 2002، عن “دار النهار”. آنذاك، كان غسان تويني مُشجِّعاً. أراد زافين محاكاة الذاكرة البيروتية المُثقلة. قبل المصير وبعده. كلحظة الاجتياح الإسرائيلي. جدَّد الكتاب نفسه في العام 2009. كان العنوان الكبير اغتيال رفيق الحريري، وحين شاء زافين إصدار نسخة ثالثة، راح يبحث عن مفصل تاريخيّ في المسار اللبناني المعقّد. لم ترضه فورة الانتخابات وحمّى صور المرشّحين. وجدها لحظة عابرة، فالاستحقاق لم يقلب طاولة ولم يُبدّل الأحوال. ثم اندلعت الثورة، فلم ينتظر. تفادى ترقُّب النتائج للإبقاء على الحماسة في داخله. كان يخشى الخيبة. طرح ودار النشر تساؤلات عن جدوى إصدار كتاب في الأزمة. قرّرا أنّه قد يكون بادرة خير مع السنة الجديدة، فحسما الأمر. إنّنا أمام مشهدية مكتملة تحاكي التغيُّر اللبناني على مدى سنوات. زافين يتطلّع إلى “ما بعد البعد” من منطلق نوستالجيّ. صوره (تصوير علي شحادة وحياة قرانوح) دغدغة لبشر مثقوبي الذاكرة. إنّه من جيل مثَّل جسراً بين القبل والبعد، فيدرك حجم المسؤولية. الناس في كتابه تجاسروا على الصمت. قفزوا فوق أثمانه، وسجّلوا اعترافات للمرة الأولى. ذاك الشاب الذي حمل السلاح في العام 2008 لأنّ الحرب بالنسبة إليه لم تنتهِ يوماً. وتلك الأم المُنتَظرة عائلة مفقودة، تعلم جيداً أنّها لن تعود، لكنّها لا تجيد سوى الانتظار. كتاب زافين إضافة للمكتبة. صورٌ كثيرة أرادها كما التُقطَت في سنتها، من دون أسئلة عن مصير ناسها وأين حطّت بهم الحياة. لم يُرد مفاجآت غير سارّة، كالموت والكآبة والأسى. نُعِت بالمجنون لإصداره كتاباً وسط محنة الإنسان والأوطان. فكان ردّه: “ما خلصوا الناس يلي بيقروا. الكتاب إهداء لهم”.

اقرأ أيضاً: لغز نجوى قاسم ونار أسئلتها

fatima.abdallah@annahar.com.lb

اضف رد