الرئيسية / home slide / لبنان: فراغ دستوري شامل واستقرار برسم القلق

لبنان: فراغ دستوري شامل واستقرار برسم القلق

رأي القدس
القدس العربي
29112022

يطوي اللبنانيون الشهر الأول على الشغور في السدّة الرئاسية. ليست هي المرة الأولى التي يدخلون فيها في الفراغ الدستوري. إلا أن الفراغ الذي يأتي ليتوجه انهيارا اقتصادياً ومالياً متمادياً ليس كما قبله. زد على أنه فراغ شامل. لا رئيس في قصر بعبدا، لا حكومة عاملة بحكم حصول الانتخابات النيابية وعدم تشكل حكومة من بعدها وفي ضوء نتائجها. فقط حكومة تصريف أعمال. ومجلس نواب ليس له دستورياً حق التشريع طالما لم ينتخب الرئيس العتيد، وليس يسلك أي مسار من شأنه إفساح المجال لهذا الانتخاب، رغم تتالي الجلسات المعقودة لأجل ذلك، والتي ستبقى لأمد غير منظور بلا طائل.
في هذا الوقت يعاود سعر صرف الدولار ارتفاعه وأسعار السلع تسابق هذا الارتفاع أصلاً ولا تنتظره. «كهرباء الدولة» التي لا يعرف المرء متى تأتي ساعتها اليتيمة مرة أو مرتين في اليوم، أخلت مكانها تماماً لكل من «كهرباء موتور الحي» الذي عنده أكثر وأكثر ميل لفرض التسعيرة بالعملة الصعبة حصراً، و«لكهرباء الطاقة الشمسية» التي باتت تجسد حلم المواطن الذي بإمكانه تأمين كلفتها بالاستقلال عن الدولة المتعثرة، وانتزاع حصة من السيادة الكهربائية تخفف عليه ثقل الظلام.
جلسة برلمانية لانتخاب الرئيس من بعد جلسة، تخف متابعة اللبنانيين لهذه الطقوس التي هي أشبه ما تكون بطقوس مناجاة الفراغ الرئاسي المديد. الشعور العارف بأن بلدهم معلق في الهواء، وأن لا مخارج في الأفق، وليس ثمة أي مفتاح داخلي فاعل لحل أي عقدة. بعد عقود من الجدل المحلي إذا كان البلد مستقراً لأن عنده حوافز على «التماسك» أو لأنه «ممسوك» بوصاية خارجية أو بغلبة عنصر فيه على سواه، باتت صورته كبلد «متروك» هي التي تطغى.
من ناحية الاستحقاق الرئاسي التقنية الصرف، لا يمكن لحزب الله ايصال أحد حليفيه، سليمان فرنجية، من دون الاتفاق على ذلك مع حليفه المسيحي الآخر، جبران باسيل، وهذا ليس بسهل وهو بحكم المتعذر. وفي المقابل، حتى لو اقترب مرشح القوى السيادية من نصف عدد أعضاء المجلس، وحتى لو تعداها، فإن تأمين حضور ثلثي أعضاء البرلمان، حسب التفسير الذي يعتمده رئيس مجلس النواب للدستور أمر متعذر. النتيجة : حلقة مفرغة.
عام 2007 دخل لبنان أول تجربة فراغ رئاسي بعد الحرب، دامت لنصف العام. لكن ارتسمت فيها منذ البدء معالم التفاوض على قائد الجيش آنذاك ميشال سليمان كرئيس توافقي. قبل أن يحدث التفاوض في النهاية تحت قوة السلاح، من خلال أحداث «7 أيار» 2008 وينتخب في إثرها الرئيس بعد أن اقترب البلد من شفير الاحتراب الأهلي.
عام 2014 كابد البلد عامين ونصف من الفراغ، كانت كافية لامتثال أقطاب تحالف 14 آذار المفترض أنهم في مواجهة مع «حزب الله» لارادة هذا الحزب تباعا، وانتخابهم حليفه ميشال عون.
اليوم، تختلف. فالحزب إذا حبذ فرنجية لا يسعه حتى الآن إقناع عون وصهره باسيل، وفكرة الرئيس التوافقي في المقابل تبدو غير محبذة. لا التوافقي متاح ولا المنحاز ممكن وصوله. كل هذا فيما يجري الإصرار على الطمأنة بأن الاستقرار بحده الأدنى محافظ عليه ومضمون. مضمون حسناً، لكن في ظل وضع كهذا، من انهيار وفراغ وشغور وتعطيل، هو مضمون الى متى؟