الرئيسية / home slide / لبنان على طريق الولادة الجديدة؟

لبنان على طريق الولادة الجديدة؟

09-08-2022 | 00:35 المصدر: “النهار”

غسان حجار

غسان حجار @ghassanhajjar

البابا فرنسيس يقبّل علم لبنان.

مما لا شك فيه ان دوائر الكرسي الرسولي في الفاتيكان مطّلعة على خفايا السياسة الدولية أكثر منا #لبنانياً وعلى كل المستويات، اذ تعيش الطبقة السياسية اللبنانية في شبه عزلة لولا زيارات موفدين أجانب يقصدون البلد لأكثر من سبب. أما الرؤساء فلا توجَّه اليهم دعوات رسمية، ولا يلتقون إلا رؤساء ومسؤولين من “الفئة الاولى”، ولم تفتح الدول العربية أبوابها أمامهم، ولا الدول الغربية المعنية بالشأن اللبناني. ربما قلة الزيارات تعود على البلد بفائدة أكبر، اذ انها توفر على الخزينة اموالا طائلة تُصرف من دون مقابل، وغالباً ما يحاول المسؤولون استغلال اتصالاتهم الخارجية لتقوية مواقعهم حيال بعضهم البعض، وليس لمصلحة البلد.

في ذكرى انفجار مرفأ بيروت، وجَّه #البابا فرنسيس نداء تمنى فيه “ان يستمر لبنان في السير على طريق الولادة الجديدة”.

وجاء في النداء: “تصادف غداً الذكرى السنوية الثانية للانفجار في مرفأ بيروت. أوجه فكري إلى عائلات ضحايا هذا الحدث الكارثي وإلى الشعب اللبناني العزيز، وأدعو الله أن يعزّي الجميع بالإيمان وأن تؤاسيه العدالة والحقيقة التي لا يمكن إخفاؤها أبداً”.

وتابع البابا: “آمل أن يواصل لبنان، بمساعدة المجتمع الدولي، السير على طريق الولادة الجديدة، والبقاء وفياً لدعوته في أن يكون أرض سلام وتعددية، حيث يمكن للجماعات من مختلف الأديان أن تعيش في أخوّة”.

انتهت الرسالة وبدأت التساؤلات. ماذا قصد البابا بالولادة الجديدة للبنان، فيما اهله وناسه يرون انه على طريق الزوال، وانه ينحدر الى جهنم، ولا قيامة قريبة له؟

قبل الخوض في التوقعات والتحليلات لا بد من التوقف امام نقطتين بارزتين في رسالة البابا. أولاهما انه لم يأتِ على ذكر زيارته الى لبنان الرسالة، ما يعني حكماً ان الزيارة الموعودة، والمؤجلة بسبب وضعه الصحي، باتت في حكم الملغاة فعلياً. والثانية انه لم يدعُ المسؤولين في لبنان الى المضيّ في التحقيق القضائي واحكام العدل، ولا الى المساهمة الحقيقية في بناء لبنان الجديد، وبمعنى آخر، فانه اهمل ذكر تلك الطبقة السياسية لعلمه اولا بفسادها وعدم قدرتها على النهوض بالبلد، ولمتابعته النقمة المتزايدة عليها، ولو لم تُترجم في صناديق الاقتراع إلا نسبياً.

وجّه البابا رسالته الى اهالي الضحايا اولا، لانه يدرك ألمهم المتفاقم من فقدان العدالة، والى اللبنانيين ثانيا، وتحديدا الجماعات التي تؤلف البلد، انطلاقا من رغبة الفاتيكان في المحافظة على الصيغة اللبنانية الفريدة بمشاركة الجماعات الطائفية وحفظ حقوقها بالمشاركة في الحكم، من دون ان يتبنى عدم تطوير الصيغة التي يجعلها البعض صنماً ينكسر لدى محاولة اجراء أي تعديل فيه.

البابا تحدث عن الولادة الجديدة للبنان، واذا كان الفاتيكان لا يملك جيشا جرارا، ولا سلاحا، ولا مالا، تمكنه من التدخل المباشر، وهو تدخّل غير مستحب من أي دولة أو مرجعية، إلا انه يملك القوة المعنوية للتأثير ايجابا في مسار الامور. وأذكر ان احد المطارنة التقى السفير البابوي بعد رسامته في ثمانينات القرن الماضي، وسمع منه الآتي: “صحيح اننا لا نقدر على تغيير المعادلات، لكننا نعمل باستمرار وقد نجحنا حتى اليوم في منع تقسيم لبنان لانه سيصير غير قابل للحياة”.

ولا ريب في ان الفاتيكان سعى ويسعى باستمرار الى الدفاع عن لبنان في كل المحافل، والأكيد ان كلام البابا لم يولد من عدم، بل انه يعلم تمام العلم ان أمراً ما يحضَّر للبنان، ويشبه “الولادة الجديدة”.