الرئيسية / home slide / لبنان ذو طبيعة واحدة أو طبيعتين؟

لبنان ذو طبيعة واحدة أو طبيعتين؟

هناك بَلَدان- عاصمتان في العالم اليوم يواجهان خطر النهاية عام 2020. هونغ كونغ ولبنان. ليس للنهايات شكلٌ واحد. نهاية الدور أو نهاية الهوية أو نهاية البنية أو..أو.. أو….

هونغ كونغ التي قرّرت حكومة البر الصيني ” استعادتها” وإنهاء نظامها المختلف عن نظام القارة الذي يديره الحزب الشيوعي الصيني. الإنهاء التدريجي بعدما أقرّت سلطات بكين قانونا جديدا على الجزيرة بحجة الحفاظ على الأمن وبدأت تطبيقه في سلسلة اعتقالات تمهيدا للمحاكمة.

كانت ذروتها قبل يومين في اعتقال أحد أكبر مالكي وسائل الإعلام في المدينة وبتهمة معلنة هي التواطؤ مع قوى خارجية، التهمة المفضّلة لدى كل الأنظمة والأحزاب التوتاليتارية ضد معارضيها.

لبنان مسألة أخرى مختلفة عن “الشقيقة” هونغ كونغ ولو أن النهاية واحدة. في هونغ كونغ التي تميّزت تحت الحكم البريطاني الطويل كمركز مالي خدماتي عالمي ثم بعد استعادة الصين السيادة عليها عام 1997 ضمن معادلة اتفقت الصين عليها مع بريطانيا هي معادلة “دولة واحدة.

بنظامَيْن”، في هونغ كونغ بدأ التراجع الخطر. شركات تقفل مراكزها وتنتقل إلى بلدان أخرى في المنطقة فيما صحيفة “النيويورك تايمز” نقلت قبل فترة مكتبها الإقليمي إلى سيول عاصمة كوريا الجنوبية…. إنه نوع من الموت المعلن البطيء لجزيرة – مدينة مسحوقة مرتين بِ: لاديموقراطية.

الصين ونجاح الصين الاقتصادي. فمن دون ديموقراطية هناك ألف هونغ كونغ اقتصادية ومالية في صين اليوم.

أما لبنان الذي يبلغ فيه الفساد هذا الحد القاتل لشعب كما أظهر انفجار مرفأ بيروت حتى لو كان احتمال تخريب أو قصف إسرائيلي وارداً لأن مسؤولية إبقاء هذه الكمية من المواد القابلة للانفجار في قلب المرفأ والعاصمة هي قضية فساد من الدرجة الإجراميّة الأولى بعدما بلغ هذا الفساد سابقاً وما زال حدَّ الانهيار الاقتصادي الذي يؤدّي إلى التجويع بفعل تواطؤ طبقة سياسية مافياوية… هذا اللبنان يواجه نهايته الخاصة به.

أعجبني تعبير في “النيويورك تايمز” الثلاثاء المنصرم يقول أن ” الحريات هي الطبيعة الثانية لأهل هونغ كونغ”. نحن ماذا في لبنان؟ الحريات طبيعة أولى أو ثانية؟ الطائفية طبيعة أولى أم ثانية؟ هل نحن ك “لبنانيين أوائل” ولو بعد مائة عام لا نزال في قلب نقاش الطبيعتين .

أم الطبيعة الواحدة بانتظار أن تستقر أكثريتنا على مفهوم للكيان مع أني أعتقد أن الخلافات الحادة بين القوى اللبنانية المرتبطة باستقطابات الإقليم لا تعكس حقيقة نضوج خيارات لدى اللبنانيين على حياة عامة مسالمة وحيادية وديموقراطية يريدونها بين مختلف أجيالهم بعد تجاربهم الطويلة لا بل إن هذه الخلافات تشوّه وتطمس ذلك النضوج العابر للطوائف وللطائفيّات.

لم يصل الغضب بالهونغْ كونغيّين حد المطالبة بعودة الاستعمار البريطاني. لكن أهل هذه المدينة لا بد أن يكون لسان حالهم أصبح كذلك أي اعتبار العصر البريطاني عصراً ذهبياً، بينما في لبنان يتمنى كثيرون، وليس فقط بين المسيحيين، بل نخب مسلمة كثيرة سنية وشيعية وكثيرة جداً سبق أن رفض أسلافُها الانتداب الفرنسي، يتمنّون عودة هذا الانتداب في شكل وصاية فرنسية أو دولية على الدولة اللبنانية لإدارتها بما يحميهم من الانهيار والفساد والنزوعات القمعية داخل طائفيّاتهم.

من ميزات هونغ كونغ أنها كانت تلعب دوراً، عبر صحافتها المزدهرة في كشف الفساد داخل بعض أجهزة الدولة الصينية على البر وشركاتها المتعاظمة الثروات في الثلاثين عاما الأخيرة. وقد كان استخداماً مزدوجاً. أي ليس فقط ضد الحزب الشيوعي الحاكم بل أحيانا لصالح الحزب الشيوعي، عندما كانت السلطة الشيوعية “ترمي” في صحافة الجزيرة إسما أو مجموعة أسماء لمسؤولين متهمين بالفساد تمهيداً ل”حرقهم” سياسيا ثم استئصالهم من مواقعهم بعد تسريب معلومات من الملفات السوداء أو “الملفات القذرة”إلى الصحافة الناطقة باللغة الصينية في هونغ كونغ . حسب ما يكتب ريتشارد ماكغريغور في كتابه المرجعي عن الصين تحت عنوان ” الحزب- العالم السري لحكام الصين الشيوعيين”(طبعة 2012).(Penguin books). هونغ تحتضر سلماً بينما الفساد اللبناني لم يعد سلميا. هونغ كونغ تقاتل ديموقراطيا وفيها حركة طلابية وشبابية ديموقراطية مناضلة في الشوارع. لدينا في بيروت جيل شبابي ليس أقل فعالية ولكنه يصطدم منذ سنوات بواقع طائفي مافياوي وإقليمي يمنع عنه أوكسيجين التغيير ويحاصر أي محاولة تغيير كما حصل مع حكومة حسان دياب، بمعزل عن بطئها في تحريك وتنفيذ إصلاحات منتَظرة. ربما خطأ حسان دياب الأساسي بل الأكيد أنه اعتقدَ بإمكان حكومة تشارك فيها بعض قوى المنظومة الفاسدة أن تفعل شيئا للتغيير.

كانت هونغ كونغ المدينة التي تضم حوالي سبعة ملايين ونصف مليون نسمة على مساحة تبلغ عُشْرَ مساحة لبنان محكومة بمستوى أرقى بكثير من مستوى حكم لبنان لناحية الخدمات والأنظمة الضرائبية والصحية والعمرانية. لذلك معركتها ولو اليائسة الحالية تتعلق بشكل كامل بالحريات، بينما لدينا صارت قضية الفساد القضية “الحوكميّة” الأولى بما فيها حتى النفوذ الإقليمي المستفيد والمتداخل مع نظام المافيا.

في هذا السياق أنصح بقراءة المقال الذي كتبه المحامي والسفير السابق سيمون كرم في صحيفة “العرب” في عددها أمس الأول الثلاثاء والذي يحمل وجهة نظر جديرة بالنقاش تشرح حجم الخيارات الدولية والإقليمية والمحلية التي وصل إليها لبنان كجزء من ” الجسر الأمبراطوري الإيراني”.

و “طريق إنقاذ لبنان الكبير التي تبلّغها زعماؤه بمن فيهم ممثل حزب الله” من الرئيس ماكرون المفوّض دولياً في “قلب المبنى الذي شهد قيامه”.

تحوّل كبير يحصل. فلنفتح أعيننا نحن الذين بقينا بمحض الصدفة على قيد الحياة.

jihad.elzein@annahar.com.lb

Twitter: @ j_elzein