الرئيسية / مقالات / لبنان بين “نيسانين”… حقبة مفصليّة على لحن ذكرى أليمة

لبنان بين “نيسانين”… حقبة مفصليّة على لحن ذكرى أليمة

ذكرى 13 نيسان (تصوير نبيل اسماعيل).

لعلها مفارقة مؤسفة طرح الإشكالية نفسها بعد مضي ثلاثة عقود ونصف عقد على اندلاع شرارة الحرب الاهلية اللبنانية في 13 نيسان 1975: إلى أين تتجه الأوضاع في لبنان في مرحلة مفصلية لا تخلو من التصعيد السياسي المترافق مع محاولات غير خجولة لتغيير وجه لبنان الاقتصادي الحر، وهدم جسر الإيمان بين اللبنانيين المغتربين منهم كما المقيمين ووطنهم الأمّ عبر مصادرة جنى أعمارهم وودائعهم التي شاؤوا أن يودعوها زوّادة وطنية ومرقداً اقتصادياً رغم بعد المسافات؟ وهل المطلوب سلخ الرابط الروحي بين لبنان ومغتربيه ودفع ما تبقى من مقيميه نحو هجرة مشابهة؟ وهل بات نيسان 2020 تاريخاً أكثر أهمية وسط مرحلة مفصلية تشهدها البلاد مقارنة مع نيسان 1975؟

يقارب عضو تكتل الجمهورية القوية النائب وهبة قاطيشا عبر “النهار” المشهد بين زمنَي 13 نيسان 1975 الذي كان بمثابة موت للجمهورية الأولى و13 نيسان 2020 الذي لا يزال اللبنانيون، في رأيه، في طور البحث عن أي جمهورية نريد، بين جمهورية تدور في فلك المحور الإيراني – السوري وأخرى حيادية عن الصراعات الاقليمية والدولية وترضي جميع مكونات المجتمع. ولا تزال هوية 13 نيسان الحالي غير معروفة، كما يصوِّر قاطيشا، إذ تعلو وتيرة المواجهة في هذه المناسبة بين رموز قوى الممانعة في لبنان والقوى الحرّة الباحثة عن سيادة البلاد وسط الصراعات. ويبدو في نظرة قاطيشا أن لبنان مقبل على فوضى كبيرة نتيجة التعثّر الاقتصادي والمالي وندرة لقمة عيش اللبنانيين. ولا يريد المحور القابض على السلطة التسليم بالحلول المنطقية التي يمكن اللبنانيون أن يقبلوا بها ومنها التعاون مع صندوق النقد الدولي، لأنه يخال أنه يستطيع حلّ المشكلة عبر الاضطهاد والفوضى. ويخشى قاطيشا من أن تغيّر الفوضى المقبلة وجه لبنان الكلي، ذلك أن الفريق الحرّ لا يقبل الهيمنة المؤدية إلى الجوع. ولا يمكن القمع، في رأيه، أن يمرّ، وعندها لا بد من البحث عن لبنان آخر، لأن لبنان الحالي الذي يحاولون أن يأخذوا الشعب إليه – وهو لبنان ضمن الموقع الإيراني – لا يمكن اللبنانيون أن يقبلوا به. 

من جهته، يرسم عضو كتلة “المستقبل” النائب محمد الحجار، مساراً إنقاذياً من منطلق تفاؤلي، إذ كما استطاع لبنان اجتياز الحرب الأهلية التي انطلقت سنة 1975 يستطيع الخروج من الأزمة المالية الاقتصادية التي يتخبط بها. وإذا كان انتماء لبنان قد أنقذه وقتذاك عبر اتفاق الطائف برعاية الخيمة العربية التي ساندته لصوغ دستوره الجديد مع مباركة المجتمع الدولي، فإن الخروج من الأزمة الراهنة يستلزم وضع خطة ملائمة قائمة على إعادة ربط لبنان بالعالم العربي الذي هو جزء منه، وإعادة تأهيل العلاقات المتضررة مع المجتمع الدولي. وتكمن خشية الحجار من ارتدادات سيئة على لبنان بعد الانتهاء من مرحلة “الكورونا” في ظل تفاقم الأزمة الاقتصادية مع تداعيات الوباء والإقفال العام في لبنان والعالم. ويرى أن أطراف الحكومة الحالية والقوى السياسية التي شكلتها يرمون المسؤولية على السياسات الحريرية للهروب من تحمل المسؤولية في ظلّ قرارات اتخذت من قبلهم سابقاً، أو بفعل تأثير الاعتبارات السياسية القائمة والمواقف المتخذة من قبل هذه القوى على البلاد. ويترافق ذلك مع مساع لتغيير صورة البلاد ووجهته الاقتصادية الحرّة التي ميّزته، ولوضع اليد على أموال المودعين في إطار شعارات سياسية. إذ إن مصادرة الودائع مرفوض دستورياً في وقت يُستَغلّ الطارئ الصحي لضرب القطاع المصرفي ومحاولة الهيمنة على المصرف المركزي والقطاع المالي. ويؤكد الحجار أن “تيار المستقبل” مقبل على اتخاذ مواقف تفصيلية يتصدى خلالها لخطة الحكومة، كما سيواجهها في المجلس النيابي، وإن كان من صاغها بدأ يتنصل منها بعد اكتشاف ردود الفعل الرافضة لها. 

وفي رأي نائب رئيس حزب الكتائب الوزير السابق سليم الصايغ، ثمة إشكاليتان دائرتان حول مشروع بناء الدولة في لبنان. ويقول إن العامل الفلسطيني كان دخل على العامل اللبناني في الستينيات والسبعينيات وأضحت البندقية الفلسطينية أداة لبنانية في لعبة السلطة والنفوذ وتوازن القوى. وأدى دخول العامل الفلسطيني إلى زيادة الاختلال في التوازنات الداخلية وشبك موضوعين لا يزالان قائمين اليوم، على قاعدة أيهما أولاً، السيادة أم الاصلاح السياسي. ولا تزال الاشكالية القائمة اليوم هي نفسها بين السلاح والإصلاح، إذ ما منع تحقيق أهداف الثورة المرحلية الهادفة إلى الإصلاح هو وجود فئة كبيرة متضررة، هي منظومة “حزب الله” التي وضعها هذا السلاح وحاول عبرها السيطرة على مفاصل الدولة حتى يعزز التوازنات لمصلحته. وعليه، يلفت الصايغ إلى أن الاشكالية لا تزال قائمة منذ 13 نيسان 1975 إذ انقسم الللبنانيون سابقاً حول ما هو وراء البندقية الفلسطينية، واليوم تبدو المسألة أبعد من سلاح “حزب الله” الذي يستخدم ذخيرته للهيمنة والسيطرة على القرار الداخلي كما كشف منذ ما قبل أحداث السابع من أيار وتدريجاً حتى اليوم. ويبقى الأساس في الإجابة على السؤال التاريخي الذي طرحه مؤسس حزب الكتائب الشيخ بيار الجميل: تعالوا نتّفق حول أي لبنان نريد. 

يدفع المشهد الحالي البلاد إلى فوضى، ولا بد من التعلّم من الدروس والعبر والتفكير في بنيانٍ لبناني حديث، لتجنب الوقوع في خطايا الماضي والذهاب باتجاه العنف والاعتداد بالقوّة، الذي يستدرج الدخول في دورة نزاع جديدة في لبنان، كما يرى الصايغ، ذلك أنه مهما تعب الشعب اللبناني وأصبح طيّعاً ظاهرياً إلا أنه تذوق طعم الثورة والحرية والتغيير، ولا يستطيع “حزب الله” والمتحالفون معه، ولا سيما هذه الحكومة، إعطاء بدائل حقيقية للناس غير  الطريقة السوية التي يمكن من خلالها تحقيق الاصلاح الاقتصادي بدل استهداف المودعين. ويخلص الصايغ إلى أن الحل يكمن في الاتجاه نحو محاسبة سارقي الدولة وتسليم أصول الدولة المنهوبة وإدارتها للقطاع الخاص، وتفعيل صندوق سيادي بدلاً من قطع الصلة بين لبنان ومغتربيه.   

majed.boumoujahed@annahar.com.lb 

اضف رد