الرئيسية / home slide / لبنان بين جنازتين لـ«الفارياق»

لبنان بين جنازتين لـ«الفارياق»

 وسام سعادة
القدس العربي
15022021

أن يقف رجال الدين من أهل الملّتين جنب بعضهما البعض، ويختلط الآذان مع قرع الأجراس، فهذا ما بات أكثر من تقليدي ومستهلك، سواء في لبنان أو في بلدان المشرق الأخرى. أما أن تتمازج تلاوة القرآن بقراءة مجلس عزاء مع ترنيمة مسيحية تبكي دموع السيدة العذراء، فهذا ما جعل المشهد التقليدي لرجال الدين المجتمعين يستولد بعداً غير تقليديّ في وداع العقل المغدور لقمان سليم.
ثم جاءت الخضة التي أثارها اعتذار قارئ العزاء بعد مشاركته في التشييع، بدعوى أنه لم يكن على بينة من أن «الإنسان» – كما وصفه – لم يكن «من خطنا السياسي». وزاد الهرج والمرج مع بيان أبرشية بيروت التي تتبرأ فيه من ان تكون قد أرسلت كاهناً للمشاركة في تشييع سليم، كما لو أن الترنّم في هذا المقام جحود بأصول الدين.
أظهر هذا «التمرين» المفجع هشاشة تجربة سعت منذ نشأة الكيان اللبناني، بل قبل ذلك بعقود، الى ابتكار منطقة رمزية مشتركة إسلامية – مسيحية كنوع من «دين مدني وسيط» بين المسيحيين، على اختلاف كنائسهم، والمسلمين، على اختلاف مذاهبهم. هذا في الدولة اللبنانية التي تنص المادة التاسعة من دستورها أنها تؤدي»فروض الإجلال لله تعالى» الأمر الذي يفترض وجود الحيز الرمزي المشترك، أو الدين المدني الوسيط… والا دخلنا في متاهة» تأدية فروض الإجلال وفقاً لأي عقيدة».
تماماً مثلما أنها الدولة التي كثر فيها الاحتفاء «بالمشترك المريمي» بين المسيحية والإسلام، خاصة بعد اضمحلال الأقلية اليهودية فيها، بل اهتدى هذا المشترك قبل بضع سنوات الى عيد «نصلاميّ» (نحت لغوي من نصراني وإسلامي ابتكره المفكر، الذي اغتيل هو أيضا، كمال يوسف الحاج) هو «عيد البشارة».
ربما كانت هذه الخضة حول الشعائر لحظة تشييع سليم، وهو أبرز معارض لـ«حزب الله» في الضاحية الجنوبية، بمثابة لحظة بلوغ لـ«النصلاميّة» لخواتيمها.
ويعيدنا الأمر أكثر ما يعيدنا الى بدايات التجربة «النصلامية» يوم وصل جثمان النضهوي أحمد فارس الشدياق الى بيروت في 5 تشرين الأول-أكتوبر 1887 آتياً من الأستانة. فالشدياق كان مارونيا ثم بدّل الى البروتستانتية قبل أن يعتنق الإسلام، ورغم أن السلطان عبد الحميد كان يعتزم دفنه في تربة السلطان محمود بالأستانة كرمز من رموز الدولة العليّة، الا أنه جرى احترام وصيته التي تقضي بنقله إلى جبل لبنان. وبالنتيجة، حصل نوع من التوتر بين المسلمين وبين المسيحيين على جثمانه، ثم تأمنت التسوية، بحيث يشيّع الشدياق في الجامع العمري ببيروت بحضور كهنة، وينقل بعدها الى مدفن آل الشدياق في الحدت. ونقل بعد ذلك الى جوار مدافن المتصرفين في منطقة الحازمية.

هشاشة تجربة سعت منذ نشأة الكيان اللبناني، بل قبل ذلك بعقود، الى ابتكار منطقة رمزية مشتركة إسلامية – مسيحية كنوع من «دين مدني وسيط»

في تاريخه عن بيروت، يدرج سمير قصير (الذي اغتيل هو أيضاً) هذا التخفف من الفرز الديني في حالة تشييع الشدياق كمؤشر على نمو «الفردنة» individuation في عصر النهضة، أي أن هناك فردا فرض خصوصيته على الجماعة، وساهمت فرديته في دفع الملتين الى موقف تسووي بينهما. يصح ذلك، الى حد معين، إلا أنه لا ينفصل عن كون ابن عمة أحمد فارس الشدياق هو بطريرك الموارنة في ذلك الوقت، بولس مسعد، وكان البطريرك التقى ابن خاله خلال عروجه على الأستانة ونيله الوسام المجيدي، وسينقل عن قريبه أنه لم يزل على دين أجداده. وهذه رواية ضعيفة لولا أن الشدياق أوصى بأن ينقل بعد مماته إلى لبنان.
وإذا كان من الممكن ادراج اسم الشدياق على يسار حركة الاستنارة العربية في القرن التاسع عشر، فإن ابن عمته، بولس مسعد، كان على يسار كل من مرّ على الكرسي الأنطاكي من بطارك. فقد أبى مسعد ان يلبسه الجبة شيخ من مقاطعجية آل الخازن، وكان الحاضن للانتفاضة الفلاحية في لحظة اشتعالها بقيادة طانيوس شاهين، لكن اللافت ما يذكرنا به الأديب الكبير مارون عبود الذي ترك واحدا من اهم الكتب عن الشدياق تحت عنوان «صقر لبنان» وهو ان مسعد، عمّق في الاتجاه الشعبي، الخط الناقم على المقاطعجية الخازنيين، الذي ابتدأه البطريرك يوسف حبيش، ولو ان الأخير من عائلة مقاطعجية أخرى. وحبيش الذي كان مسعد كاتب سرّه، كان أيضاً وراء حبس الشقيق الأكبر لفارس، أي اسعد الشدياق، بسبب اعتناقه البروتستانتية، في ظروف قاسية في دير قنوبين، والتعجيل بإماتته شاباً الأمر الذي فجّر كل طاقة التمرد عند فارس. يقول عبود: «لولا تلك الثورة الفكرية التي أضرمها حلول البروتستانت في الجبل بين جماعة يكادون يعتبرون المقاصد الرسولي أجنبياً عنهم، ودخيلا على طائفتهم، لما فرّ» صقر لبنان» ولما كان» حجر الزاوية في صرح النهضة الأدبية المعاصرة».
فالموارنة سبق لبطريرك منهم في القرن السابع عشر (يوسف العاقوري) ان القى الحرم الكنسي ليس فقط على من يخالط البروتسانت، بل على من يعترف او يتناول القربان عند الآباء اليسوعيين، رغم الاشتراك معهم في الكثلكة.
تتفرّد مقاربة مارون عبود لحالة الشدياق على كل ما تلاها بالقدرة على تفكر كل المسألة المارونية من خلاله، وهو حين يعتبر ان الشدياق «فكرة تمخض بها لبنان طول خمسة قرون» يقصد تحديدا المنعطفات التي مر بها تاريخ الموارنة.
لكن عبود يريد في نفس الوقت أن يبني فكرة مشتركة إسلامية مسيحية عن لبنان تستوحي نموذج الشدياق، ومن خلال تسطير أهمية المنعطف ليس فقط اللغوي والأدبي الذي يجسده اسم الشدياق، بل هذا النموذج الذي يمكن أن يستلهم لبناء الوطن العتيد، أي نموذج «الفارياق» الفرد المنحوت اسمه من «فارس» و«شدياق» المتعدد والمتمرد والمراوغ والساخر أبداً، في تحفة الشدياق الأساسية «الساق على الساق».
بيد ان «النصلامية» (التمازجية الاسلامية المسيحية) التي كان بمتسع السستام الطائفي اللبناني قبولها لم تكن لتترك مكاناً لشخصية تحوي من تنوع الطبقات والأبعاد داخلها ما يحويه «الفارياق». هذا الفارياق الذي كنا ندفن شيئا منه أيضاَ يوم دفن لقمان سليم، المهجوس بسؤال اللغة العربية هو أيضاً، ولو من زاوية بعيدة عن زاوية الشدياق.
وما بين جنازة أحمد فارس وما بين جنازة لقمان، تقفز من كتاب مارون عبود قصاصة من صحيفة من عام 1938. يومها، وفيما كانت تجري أعمال حفر لتعديل طريق عاليه، عثر على نعش من رصاص صدفة، فإذ به يضم جثمان الشدياق. ورد في الصحيفة: «الجثمان على حاله (…) فلحيته باقية، وحاجباه باقيان ايضا، ولم يطرأ على شعره وعلى وجهه أي تعديل أو تغيير». هذا بعد نصف قرن على وفاته!
يومها وقبل ان ينقل الجثمان الى الضريح الحالي، وقبل ان يصير الضريح الحالي فناء لأحد المحلات التجارية، شاع عند الناس أن الشدياق «قديس لأن جسده لم يبلَ». هذا مع ان الفارياق لم توح سيرته يوماً بما يمت صلة بالقداسة، بخلاف شقيقه أسعد المظلوم في قنوبين. لم يكن الفارياق قديساً. كان… استحالة. ضرورة مستحيلة
كاتب لبناني