الرئيسية / مقالات / لبنان بلاد “عَبَدَة” المال لا الأديان ولا الوطن

لبنان بلاد “عَبَدَة” المال لا الأديان ولا الوطن

تُحمِّل الدولة اللبنانية بـ”رؤسائها الثلاثة” مصرف لبنان مسؤولية تبديد إحتياطيّه النقدي الذي كان مقدّراً بمليارات كثيرة من الدولارات الأميركية والذي تقلّص الى بضعة منها يقول مسؤولون حكوميون أنها 21 مليار دولار، في حين يقول آخرون من مسؤولين وخبراء وما أكثرهم في هذه الأيام وسياسيّون وأعلاميّون أنها تراوح بين 11 أو 12 مليار و4 مليارات. ويُشارك قادة “الشعوب” اللبنانية بأحزابها القوية والمتوسطة القوّة والضعيفة سياسياً وشعبياً وعسكرياً رؤساءها المُشار إليهم أعلاه في تحميل المصرف المذكور وتحديداً مَنْ حكمه 4 ولايات مكتملة وهو الآن في منتصف ولايته الخامسة رياض سلامة المسؤولية نفسها. كما يُحمِّل الاثنان أي “الرؤساء الثلاثة” و”القادة” مع مصرف لبنان مصارفه أو على الأقل الغالبية الساحقة من هؤلاء بالاشتراك مع سلامة و”المركزي” في عملية التبديد المذكور التي أفلست البلاد أو وضعتها على شفير الافلاس، والتي وضعت ممارستها السيّئة والنفعية كما تواطؤها مع مصرف لبنان وحاكمه مودعيها من اللبنانيين ولا سيما أصحاب الحسابات الصغيرة والمتوسطة البالغة نسبتها 96 الى 98 بالمئة من مجموع الحسابات على شفير خسارة جنى عمرهم.

ويُحمّل مصرف لبنان بدوره الدولة اللبنانية بـ”رؤسائها الثلاثة” مسؤولية اقترابه من “الانكسار”، كما مسؤولية السياسة النقدية التي مارسها برضى هؤلاء وقبولهم، والتي قامت على تمويل الدولة خلافاً للقوانين والأنظمة السارية المفعول في لبنان وفي الوقت نفسه للقوانين والأنظمة التي تحكم ممارسات المصارف المركزية في العالم، ولا سيما في الدول المتطوّرة. إذ أن مثيلاتها في العالم المتخلّف لا تميّز في تعاملها معها بين المال العام والمال الخاص. كما أنها تعتبر المال العام وتحديداً أموال مصارفها المركزية في خدمة حكوماتها أو حكّامها وسياساتهم غير المصيبة أحياناً كثيرة.

وتُحمّل مصارف لبنان منفردة ومجتمعة في إطار “جمعية المصارف” التي تدافع عن مصالحها دولة “الرؤوس الثلاثة” ومصرف لبنان بشخص حاكمه طبعاً مسؤولية النكبة المالية – المصرفية التي أصابت البلاد. إذ نفّذت سياسة تمويل الدولة ونسّقت مع الحاكم في كل أعمالها. وتصرّف الاثنان على أنهما فريق واحد فتشاركا في “خدمة الدولة” و”رؤسائها” والأقوياء فيها وفي جني الأرباح أو بالأحرى في تحقيق المصارف أرباح خيالية. لكن عندما “وقعت البقرة تكاثر السلّاخون” على ما يقول مثل شائع في لبنان. فدبّ “النقار” بين الشريكين المذكورين وبدأ كل منهما محاولة التنصّل من مسؤولية الانهيار الوشيك بل الحاصل، ورميها على الآخر كلياً أو جزئياً. في حال كهذه وفي الدول التي تحترم نفسها تبادر مؤسساتها مثل الحكومة ومجلس النواب والقضاء المستقل بمبادرة منه وأيضاً بطلب من المؤسسة الرسمية الى التحقيق، والى تكليف مؤسساتها العامة الكفوءة ومؤسسات خاصة اذا احتاج الأمر، كما تستطيع الاستعانة بمؤسسات عالمية لمعرفة أسباب الحال البائسة التي وصلت إليها البلاد على الصعيد النقدي – المصرفي – المالي. علماً أن في دول كالمُشار إليها، وهي موجودة دائماً في العالم الأول أي المتطوّر والمتقدّم، لا تُترك الأمور كي تصل الى شفير الانهيار والانكسار. فمؤسساتها “شغّالة” وليس من أجل منافع شخصية. وعندما يتعرّض بعضها الى “أزمات مالية أو مصرفية” تبادر حكوماتها الى وضع يدها على الموضوع وتجد الحلّ المناسب له، وتُحاسب وإن بعد حين المسيئين والمتسبّبين بالانهيار أو الركود سواء عن طمع وغشّ ورغبة في جني الأموال بطريقة غير مشروعة أو عن جهل وخيارات خاطئة. ومن الطبيعي أن تؤيّد الشعوب في العالم المُشار إليه أعلاه دولها وحكوماتها وتدعمها في خططها للنهوض أو للمحاسبة وما الى ذلك. لكن لبنان ويا للأسف ليس واحداً منها. فهو دولة “معطّلة” أي لا تعمل لأسباب متنوّعة معروفة، وهي دولة “مشلّعة” ومنقسمة لا بسياسييها فحسب بل بطوائها ومذاهبها وأحزابها وشعبها. وصارت جرّاء ذلك دُوَلاً هي الآن ثلاث وربما يزداد عددها مستقبلاً. علماً أن شعوبها الآن أربعة، لكنها قد تصبح أكثر مع الوقت، إذا نجح أصحاب المصالح المتنوّعة في تقسيم المسيحيين مذهبياً على نحوٍ يشبه انقسام المسلمين. وقد باشر هؤلاء عملهم في هذا الاتجاه. لكن ماذا عن الشعب أو الشعوب؟ الغرور عطّل فكرها و”البَطَر” والسطحية والارتجال. وأحدث دليلٍ على ذلك اعتبارها أن الأزمة المالية – الاقتصادية الخطيرة التي نشبت في اليونان لن يقع لبنان في مثلها. وراح مدّعو العلم والاطلاع والخبرة يجزمون بذلك رغم أن كل عاقلٍ وحكيم من أبنائه ومن الخارج كان يرى الجحيم المالي في لبنان قادماً بل مسرعاً. استمرّ الاعتبار المذكور سائداً الى ما قبل وقوعه في مصيبته الحالية. ورغم أن اليونان قامت من أزمتها بعدما تحمّل شعبها الواحد الصرف من العمل وخفض الرواتب بدءاً من الموظفين الكبار في الدولة وانتهاءً بالصغار واقتنع بأن فساده أوصله الى وضعه التعيس، رغم ذلك لا يزال اللبنانيون “شايفين حالهم” على اليونان بل على العالم.

هل المسؤولية عن حال لبنان التعيسة اليوم يتشارك فيها مصرف لبنان والمصارف والدولة أم يتحمّلها واحدٌ من الثلاثة؟ لا شك في أن المسؤولية مشتركة بينهم وسيُبيّن “الموقف هذا النهار” لاحقاً ذلك وإن بتفصيل غير كبير ولكن غير ممل أيضاً. لكن المسؤولية الأولى تقع على “الشعوب” التي تفرّقها الأديان والمذاهب والطوائف والأحزاب والإقطاع المالي والإقطاع الديني والعقلية العشائرية والتي يتفوّق ولاؤها لكل هؤلاء على ولائها للوطن أي للبنان دولة المؤسسات والمواطنية والمساواة والحق والعدل والتنمية المتساوية والحريات والديموقراطية. علماً أن ولاء هذه “الشعوب” ومع الاعتذار منها هو للمال أولاً وأخيراً. فغالبية أبنائها يعبدونه الى جانب من يعبدون ويضحّون بكل القيم من أجله.

أين مسؤولية الدولة ثم “المركزي” فالمصارف؟

sarkis.naoum@annahar.com.lb

اضف رد