الرئيسية / home slide / لبنان بعد الانتخابات: اختلال التوازنات الداخلية… “حزب الله” يتحكّم بالرئاسة والحكومة؟

لبنان بعد الانتخابات: اختلال التوازنات الداخلية… “حزب الله” يتحكّم بالرئاسة والحكومة؟

16-05-2022 | 03:20 المصدر: “النهار”

ابراهيم حيدر

المشهد في بلدة حبوش (15 أيار 2022).

مهما تكن نتائج #الانتخابات النيابية التي تشكل منعطفاً أساسياً في الحياة السياسية، فإن #لبنان سيدخل في مرحلة جديدة تحمل الكثير من التساؤلات حول هوية البلد ومستقبل الصيغة والنظام. اليوم الانتخابي الطويل لم يكن على مستوى التوقعات التي كانت تشير الى أن هذا الاستحقاق مصيري لتحديد التوازنات السياسية والطائفية المقبلة، على الرغم من أن بعض القوى خصوصاً “#حزب الله” خاضها وكأنها عملية حربية ضد القوى الأخرى والتغييريين، ورفع خلالها شعارات المقاومة ومارس الضغط على الناخبين بطرق مختلفة، وهو ما سيدخل البلد في أزمات جديدة تضاف إلى الأزمات المستفحلة منذ أكثر من ثلاث سنوات، بتواصل الانهيار مع العجز عن تشكيل حكومة جديدة وفرض أمر واقع في الانتخابات الرئاسية المقبلة.
‏سينتهي هذا الإعلان خلال  
بدت الخيارات في المعركة الانتخابية سياسية لبنانية بامتياز، ولها امتدادات إقليمية ودولية، وهي تحدّد طبيعة التوازنات الداخلية في البلد، والتي ستطبع الوجهة العامة في التعامل مع المشكلات الاقتصادية والمالية، خصوصاً أن المعركة كانت استعرت قبل بدء عمليات الاقتراع وبلغت المواجهات أوجها في الاسبوع الاخير وتعزّز الانقسام السياسي في الصراع على من يفوز بالأكثرية التي ستحدّد من يتحكم بالاستحقاقات المقبلة. فتركيز “حزب الله” بعد إطباقه على البيئة الشيعية كان الحصول على مقاعد سنية أكبر مع حلفائه ما يسمح له بالتحكم في تشكيل الحكومة المقبلة وتحديد اسم رئيسها. وقد شهدنا معركة حامية في دوائر العاصمة بيروت علماً بأن التصويت السني لم يكن كثيفاً بسبب مقاطعة الرئيس السابق للحكومة سعد الحريري وتيّاره، وقد تحدد نتائجها التوازنات الجديدة، وإن كانت أيضاً المناطق الأخرى مهمة من الشمال اللبناني وطرابلس وعكار والبقاع حيث خاض “حزب الله” عبر محور الممانعة معارك لدعم حلفائه بتحصيل أكبر عدد من المقاعد السنية والمسيحية. 

حظي الاستحقاق الانتخابي باهتمام إقليمي ودولي، فمعظم القوى التي تخوض الانتخابات لديها ارتباطات إقليمية وتنتظر التطورات حول المفاوضات المتعلقة بالاتفاق النووي وبملفات المنطقة ومنها لبنان، لكن الاهتمام العربي والخليجي الذي شهدنا بعض صوره قبل الانتخابات لم يتمكن من استنهاض وضع سياسي يسمح باستعادة التوازنات، فلا يبدو أن قوى سياسية جديدة أو تغييرية ستدخل على المشهد السياسي في شكل مؤثر وتفرض واقعاً جديداً في البلد من خارج الاصطفافات القائمة، فيما الصراع بين المحورين الممانع و”السيادي” سيبقى مهيمناً خصوصاً أن “حزب الله” استخدم كل فائض قوته لدعم “التيار العوني” وتعويضه في الدوائر المختلطة من خلال الثقل الشيعي إضافة إلى اختراقه ساحات داخل البيئة السنية.

عمل “حزب الله” في المعركة الانتخابية على تكريس أدواره كلها في البلد، وهو يسعى الى التحكم بمسار الاستحقاقات المقبلة لتكون له الكلمة الفصل في التسويات المحتملة الداخلية والخارجية، ومن خلال فائض قوته التي استخدمها في الانتخابات لدعم حلفائه العونيين في شكل أساسي، سيستمر بإمساكه بالسلطة بعد الانتخابات بعد انكسار التوازنات، ويتصرّف بوصفه الطرف المهيمن فوق الدولة تماماً كما كان يحدث خلال السنوات الماضية خصوصاً عندما أخذ البلد إلى الفراغ لسنتين بين 2014 و2016 وجاء بميشال عون مرشّحاً وحيداً للرئاسة. لكن الانتخابات وإن كسرت التوازنات السياسية في الصيغة اللبنانية، لا تعني أن “حزب الله” كطرف مهيمن قادر على فرض كل ما يريد، لأنه لا تسليم بدوره عربياً ودولياً، ولذا سيضطر الى الدخول في تسويات تختلف بعد الانتخابات، لأنه ينطلق من استحقاق فرض قوته فيه، في انتظار تقدّم المفاوضات حول ملفات المنطقة. لكن نتائج الانتخابات التي انكسرت فيها الكثير من الأعراف والتقاليد، لن تكون برداً وسلاماً على لبنان الذي لا يستطيع أن يتعايش مع الواقع الجديد، الذي قد يأخذ البلد الى مزيد من الانهيار برفض الحزب الاحتكام الى مؤسسات الدولة، ويطرح مشروعه الخاص حول الملفات الخلافية لفرض ما يريده على المستويات الداخلية والخارجية بما في ذلك الاستراتيجية الدفاعية وأيضاً الاستحقاقات الدستورية المرتبطة بالحكومة والرئاسة. 

وعلى الرغم من اختلال التوازنات السياسية، ستحتدم المعارك على استحقاقات المرحلة المقبلة. التركيز سيكون على الحكومة المقبلة، والمتوقع أن نشهد صراعاً مفتوحا يترك لبنان في الفراغ وتصريف الاعمال حتى استحقاق الرئاسة، إلا إذا تمكن “حزب الله” ومحوره من التقدّم الى الحكم من خارج الصيغة والتوافقات التي كانت تحدث خلال السنوات المقبلة، لكن الأمور تختلف اليوم في غياب مرجعية سنية قادرة على المواجهة أو الدخول في تسويات. ولذا شكلت معركة الحزب للحصول على الأكثرية عنواناً للعبور والتحكم بمفاصل البلد لاحقاً وأيضاً في صيغته وتركيبته وتحسين شروط التفاوض على مستقبله ونظامه، وذلك على الرغم من أن التغيير الكبير في الهيمنة القائمة اليوم لن يحل مشكلة لبنان ويخرجه من الانهيار، بل يكرّس مزيداً من التعطيل ومحاولات الإمساك بكل مقاليد الأمور بقوة الأمر الواقع التي تعطل المؤسسات ساعة تريد.

لبنان ما بعد الانتخابات هو غيره على صعيد التوازنات. “حزب الله” أعلن مسبقاً على لسان أمينه العام حسن نصرالله أن لا أحد يستطيع نزع سلاحه وحدّد ملامح المرحلة المقبلة لما بعد الانتخابات خصوصاً تشكيل الحكومة الجديدة وانتخاب رئيس للجمهورية. وكلامه أوحى للجميع بأن الحل مرتبط بالتوازنات الاقليمية وبالوضع الدولي وبمفاوضات المنطقة، ويدل ذلك على التعقيدات المستمرة التي ستبلغ ذروتها بين محور “حزب الله” والقوى المعارضة له إلى أن تحين فرصة التسوية الإقليمية وستنعكس حتماً على الوضع اللبناني العام. لكن أي تسوية في البلد بعد الانتخابات لا يمكن أن تستقيم من دون توازن طائفي، وبما أن التوازنات اختلت يتحكم الحزب بكل الاستحقاقات مع ما يحمله هذا الوضع من مخاطر على الصيغة اللبنانية والنظام والدولة.

التيار العوني ورئيس الجمهورية يصران أيضاً، بدعم “حزب الله”، على عدم تقديم تنازلات، وإن كانت النتائج لم تعط هذا التيار الوزن الذي حققه في انتخابات 2018. فالمرحلة المقبلة ستشهد تعطيلاً قد يمتدّ حتى انتخابات الرئاسة، وتدخل الحكومة الحالية في مرحلة تصريف الأعمال، في انتظار تطوّرات إقليمية ودولية تفتح الطريق نحو صوغ حلّ للوضع اللبناني. وإلى أن يحين ذلك تبقى خريطة الطريق اللبنانية تخطّ دروبها نحو “جهنّم”.


ibrahim.haidar@annahar.com.lb
Twitter: @ihaidar62