الرئيسية / أخبار المصارف / لبنان بجناحيه الليرة والدولار… نهاية حقبة مصرفيّة

لبنان بجناحيه الليرة والدولار… نهاية حقبة مصرفيّة

إجراءات أمنية في الطرقات (نبيل اسماعيل).

سقط لبنان منذ ثلاث سنوات في دوّامة المحافظة على سعر صرف الليرة، وتكبّد من جرائها خسائر فادحة اودت بمعظم اصول مصارفه واحتياطات مصرفه المركزي.

والمفارقة الكبرى، في هذا السياق، هي السؤال: لماذا جاهد لبنان ولا يزال بالمحافظة على التداول التجاري المفتوح في الاسواق المحليّة بعملتَين: الليرة والدولار؟

انّ السياسة النقديّة اللبنانيّة ارتكزت اساساً على فكرة او مناخ عام (وقد استَطْرِدُ بوصفه مزاجاً عاماً) مفادُه بان لبنان يجمع الشرق والغرب، المقيم والمغترب، الساحل والجبل، السالب والموجب والثابت والمتحرّك… والليرة والدولار. والثنائيّة الاخيرة ليست من باب الموضة او “الدارج”، بل كانت هنالك قناعة فقرار بارتباط العملتين من اجل تسهيل عمليّة اعادة الاعمار بعد الحروب الاهليّة.

اما اليوم فقد “ضاعت الطاسة”: هل “الكابيتال كونترول” هو للحفاظ على سعر صرف الليرة ام للحفاظ على الودائع بالدولار؟ ثنائيّة اخرى علينا فهمها.

لا شك في ان تعاميم مصرف لبنان الاخيرة (عنيْتُ 148 و149) أتت للمساعدة على تخفيف الضغط على صغار المودعين وليس لايجاد حلّ صريح للازمة الماليّة، ذلك ان هذَين التعميمَين سقطا في الثنائية ذاتها. ولكن امام متلازمة العملتين في لبنان هنالك ايضاً ظاهرة “اضطراب” المثالثة بين: المودع – المصرف – مصرف لبنان. فالمودع اودع مدّخراته في المصارف التي اودعت جزءاً كبيراً منها في مصرف لبنان. واذا كان السؤال الاوّلي اليوم هو اين هي ودائع الناس، فبرأيي ان السؤال الاجدى هو كيف يسترجع المصرف ودائعه من مصرف لبنان ليسترجع المودع وديعته من المصرف؟

الفجوة الناتجة من هذا النظام المالي تُقدّر بما بين 50 و60 مليار دولار. بمعنى آخر يجب على الدولة ان تعيد لمصرف لبنان قيمة هذه الفجوة لكي يعيدها بدوره الى المصارف كي تعيدها الى المودعين لايفاء ودائعهم. هكذا بكل بساطة ومن دون ايّة فذلكة ماليّة. منظومة “القاطرة والمقطورة” هذه ادّت بالمودع اللبناني الى الشعور، غير الدقيق جزئيّاً، بانّه فقد وديعته. ولكن ما هو دقيق جدّاً ان المودع فقد الثقة كليّاً بالنظام المصرفي اللبناني، عنيت بذلك المصرف المركزي، لجان الرقابة على المصارف وشركات التأمين والمصارف عموما.

انّ بعض الحلول لهذه المعضلة الوطنيّة تكون على الصعد الآتية:

1- على صعيد الاقتصاد الوطني

أ. حصر التعامل التجاري بالليرة اللبنانيّة فقط أسوة بمعظم بلاد العالم.

ب. تنشيط المبادرة الفرديّة لاحراز تقدم على صعيد الصناعات البديلة لاستبدال المنتجات المستوردة بأخرى مصنّعة محليّاً، قدر الامكان.

ت. تنويع مصادر الانتاج الوطني، فمن غير الصحي ان يكون التركيز على قطاع السياحة والخدمات على حساب قطاعات واعدة اخرى مثل الصناعات الغذائيّة، التجميع الصناعي واقتصاد المعرفة والتكنولوجيا.

ث. تطوير نظام ضريبي يحفّز التصدير ويكافئه.

ج. تنشيط الزراعة وحمايتها من الاستيراد المتوحّش للاقتراب من الاكتفاء الذاتي في بعض المنتجات المحليّة.

ح. فرض نظام كوتا الاستيراد، ولو مرحليّاً، للحد من التفلّت الاستيرادي غير المنظّم.

خ. انشاء تجمُّع مستقلّ لمُستَخدِمي الخدمات المصرفيّة في لبنان بعيداً من وباء المحاصصة والطائفيّة الكأدآء. لم يعد مقبولاً، بعد الثورة والتعثّر وما بينهما، ان تتفرّد المصارف وجمعيّتها باتخاذ القرار تلوَ الآخر من دون الرجوع الى زبائن المصارف، دائنين كانوا ام مدينين. إن عملاء المصارف هم شركاء صامتون ولكنهم ذوو حقوق تبيَّن ان المصارف، لغاية الآن، تضرب بها عرض الحائط.

2- على صعيد مصرف لبنان ولجان الرقابة على المصارف وشركات التأمين

أ. انشاء المجلس النقدي الأعلى الذي تناط به مسؤوليّات السياسة النقديّة الوطنيّة، بدل تركيز هذه المسؤوليّات في يد بضعة موظّفين.

ب. اعادة هيكلة شاملة للقطاع المصرفي، من كفاية رأس المال للمصرف وملاءته وحجم ودائعه وتَرَكُّز توظيفاته وفائدته المدينة والدائنة والشركات التابعة له من عقاريّة واستثماريّة وتأمين وادارة مَحافظ وتأجير تمويلي. لا يجوز بعد الآن ان يُلدَغَ الاقتصاد الوطني والمودعون من جُحر المصارف مرّة أُخرى، فحسبُ المؤمنِ منّا ان يعقلَ ثمَّ يتوكّل.

ت. ارساء ثقافة الشفافيّة التامة والافصاح المالي الدوري ونظام المحاسبة العامة.

ث. اعادة النظر بنسب التركيز المتاحة للمصارف في استثماراتها الداخليّة والخارجيّة.(concentration ratios)

ج. اعادة النظر بمستوى رؤوس اموال المصارف الحاليّة وفرض مضاعفة رأس المال (وليس رفعه بـ 20%). ان مجموع رؤوس اموال القطاع المصرفي حاليّاً لا يتخطّى الـ 22 مليار دولار ليغطي ودائع بمستوى 180 مليار دولار معظمها مودعة مع زبون واحد (الدولة ومصرف لبنان).

ح. اعلان تجميد استحقاقات القروض كلها (حوالى 35 مليار دولار) لمدّة ستّة اشهر وتحويلها الى الليرة اللبنانيّة فوراً على اساس 1517 ليرة للدولار.

خ. تجميد الحسابات التي تتخطّى ارصدتها المليون دولار لمدّة خمس الى عشر سنوات، بفوائد متدنيّة جداً مع امكان تحويلها الى الليرة اللبنانيّة بسعر المنصّة الالكترونيّة الحديثة الانشاء بعد اجراء المقاصّة مع التزامات العميل. تجدر الاشارة الى انه بالتوازي مع التحويل الى العملة الوطنيّة يجب المراقبة والتحكّم بكميّة النقد المتاح للتداول وبخاصةM1 و M2 للتحكّم بنسب التضخُّم التي بدت حاليّاً في السوق.

د. إرساء آليّة تحديد نسب الفوائد الدائنة والمدينة وسقوفها، مع السماح ببراح يلحظ الكلفة التشغيليّة للمصارف.

ذ. العمل على مراحل مدروسة ومحدّدة الآفاق على تحرير سعر الصرف مع ارساء سقف متحرّك تتم مراقبته والعمل على عدم تخطّيه وتكون هذه الآليّة من مسؤوليّة مجلس النقد الاعلى.

3- على صعيد المصارف

أ. اشراك المودعين بقرارات المصرف بتمثيلهم في مجالس الادارة، واشراكهم ايضا بلجان الائتمان، لجان المخاطر ولجان استثمار الاموال المتاحة.

ب. الاعتراف بعملاء المصارف كشركاء وليس كزبائن.

ت. تغيير طواقم الادارة العامة والاعتماد على كوادر شابة بعيدة عن الادارة الريعيّة وذات خبرات عالميّة. ان ادارة المصارف في الخارج لا تعوِّل الا هامشيّاً على الاقتصاد الريعي.

ث. اعادة النظر جذريّاً بنسب الفوائد المطبّقة حاليّاً وخصوصا الغاء نظريّة وتطبيق الـ BRR الذي يعكس النظرة الاحتكاريّة والمتفرِّدة بالتعامل مع القطاع الخاص في لبنان.

ج. الاعلان والافصاح عن آليّة تحويل الودائع الى اسهم بغية افساح المجال لمن يرغب في ذلك للتعرُّف عن كثب على وضعيّة المصرف. حاليّاً يتمّ الاتصال بشكل سري جدّاً ببعض المودعين ويستعان بسعر الاسهم المدرج (ان كان المصرف مدرجاً) وبسعر سهمٍ انتقائي جدّاً وغير واقعي غالباً اذا كان المصرف غير مدرج.

لا شكّ في ان الدرب طويل وشائك، وبالتأكيد يبدأ بارساء اسس المحاسبة والثواب والعقاب. لم اذكر في مقالتي استرجاع الاموال المنهوبة ومحاربة الفساد وقطع دابر الهدر والتوظيف العشوائي واسترجاع الاملاك البحريّة والقائمة تطول. لكن علينا البدء بمشروع اصلاحي تغييريّ للقطاع المالي في لبنان علّه يسترجع بعضاً من ثقةٍ فقدناها ويفتقدها المجتمع المالي العالمي. يجب ان نعي كليّاً ان حقبة الثنائي ليرة – دولار انتهت الى غير رجعة. حسبيَ في هذا ما كتبه حصيف طرابلس واديب لبنان الاستاذ النقيب رشيد درباس اليوم في مقالته في النهار بعنوان “أمّا بعد…” حين قال: “… فلم ينتبهوا الى ان الجوائحَ تضرب أُسساً قائمةً، وتهيِّئ لأُخرى قد تُخرج قوماً من مآزقهم…”.

الوقت ثمين والفرصة متاحة للبدء بمشروع اصلاحي يبدأ بالقطاع المالي ولا ينتهي عند كل تلابيب الادارات العامة في لبنان.

 مستشار مالي.

اضف رد