لبنان بالبرتقالي في خريطة للـ”ناسا”: “غاز سام” في الهواء، وإليكم التفاصيل

  • هالة حمصي
  • المصدر: “النهار”
  • 30 كانون الثاني 2019 | 19:03

خريطة للشرق الأوسط والتغيّر في تركيزات ثاني أوكسيد النيتروجين من 2005 إلى 2014 (ناسا).

خريطة مثيرة للاهتمام. ويبرز فيها #لبنان بالبرتقالي. البرتقالي يدلّ على “مدى كثافة #ثنائي_اوكسيد_النيتروجين السام المسبب لحالات سرطانية عدة”، وفقا للزعم المرفق بالخريطة. وتحذير اضافي: هذا الغاز الضار سجّل “أعلى كثافة له في “لبنان، وايضا في مناطق عراقية”. وقع الخبر سيىء، و”هذا شرف لبنان”، على ما علّق أحدهم بسخرية، والخريطة “برسم المسؤولين اللبنانيين”!

ولكن ما حقيقة هذه الخريطة؟ هل نشرتها بالفعل “ناسا”؟ ومتى؟ وماذا عن أضرار ثنائي اوكسيد النيتروجين “السام”؟ هل يتسبب بسرطان الرئة، وفقا للزعم؟

“النهار” دقّقت من أجلكم

النتيجة: نعم، الزعم المرفق بالخريطة المتناقلة ان مصدرها وكالة “ناسا”، زعم صحيح. لكن تاريخ نشرها يعود الى عام 2015، علما انه سبق ان تم تناقلها على وسائل التواصل الاجتماعي في الاعوام الماضية. اما الزعم ان “مناطق عراقية ولبنان هما الأكثر كثافة على صعيد انتشار ثنائي اوكسيد النيتروجين السام”، فيفتقد الى الدقة، ذلك ان طهران هي التي تسجل المتوسط الاعلى في ثنائي اوكسيد النيتروجين، وفقا لارقام الـ”ناسا” عام 2016، تليها الرياض (9,45). اما بيروت (3,50)، فقد حلّت في المرتبة الاولى على صعيد التغيّر في تركيزات ثاني أوكسيد النيتروجين في هوائها خلال عشرة اعوام، بتسجيل نسبة 95,68%. بالنسبة الى تسبب ثنائي اوكسيد النيتروجين بسرطان الرئة، يحذر العلماء من ان “ملوثات الهواء”، وهذا الغاز احدهم، “تزيد اخطار الإصابة بالأمراض القلبية الوعائية والأمراض التنفسية، فضلاً عن سرطان الرئة”.

البوست مع الخريطة المتناقلة على وسائل التواصل الاجتماعي.

الوقائع: خلال الايام الماضية، تكثّف التشارك في هذه الخريطة على صفحات وحسابات لبنانية. وقد أُرفِقَت بالشرح الآتي: “أظهرت صور وزعتها ناسا مدى كثافة الـNO2. وتبيّن أن مناطق عراقية ولبنان هما الأكثر كثافة على صعيد انتشار ثنائي اوكسيد النيتروجين السام المسبب لحالات سرطانية عدة، أبرزها سرطان الرئة الخ… وينبعث هذا الغاز نتيجة حرق النفايات والفيول”. وقد غاب ذكر لمصدر هذا الزعم، او لاي تاريخ، او اي رابط يثبت مضمونه.

التدقيق:

-يبيّن البحث ان هذه الخريطة وزّعتها بالفعل “وكالة الفضاء الاميركية” (ناسا). لكنها ليست حديثة العهد، اذ ان “ناسا” نشرتها في 14 كانون الاول 2015، ضمن مجموعة اخرى من الخرائط بعنوان: “صور ناسا تظهر بصمة الإنسان على جودة الهواء عالميا”. وكتبت شرحاً للخريطة المتناقلة حاليا كالآتي: “خريطة للشرق الأوسط تظهر التغيّر في تركيزات ثاني أوكسيد النيتروجين من 2005 إلى 2014”.

-اوضحت “ناسا”، في مقالة نشرتها مع الخرائط يومذاك، انه “باستخدام خرائط شاملة وعالية الدقة من الاقمار الاصطناعية لمؤشرات جودة الهواء، تتبّع علماء ناسا اتجاهات تلوث الهواء خلال العقد الماضي في مناطق مختلفة و195 مدينة في مختلف أنحاء العالم. ووفقاً لنتائج الأبحاث الأخيرة التي أجرتها، فإن الولايات المتحدة وأوروبا واليابان حسّنت نوعية الهواء لديها بفضل أنظمة التحكم في الانبعاثات، بينما شهدت الصين والهند والشرق الأوسط، مع اقتصادات سريعة النمو وتوسع الصناعات فيها، مزيدا من تلوث الهواء”.

واشارت “ناسا” الى ان “العلماء درسوا مشاهدات حصلوا عليها من جهاز مراقبة الأوزون في القمر الاصطناعي “اورا”، من 2005 إلى 2014”. و”واحدة من الغازات الجوية التي يكتشفها الجهاز هي ثاني أوكسيد النيتروجين. وهو غاز بني-أصفر، انبعاث شائع من السيارات ومحطات الطاقة والنشاط الصناعي. ويمكن أن يتحوّل بسرعة “أوزون” على مستوى الارض، وهو أحد الملوثات التنفسية الرئيسية في الضباب الدخاني بالمدن”. ولفتت الى ان “النقاط الساخنة لثنائي أوكسيد النيتروجين، والتي تستخدم كمؤشر الى الجودة العامة للهواء، موجودة في معظم المدن الرئيسية في الدول المتقدمة والنامية”.

بالنسبة الى بيانات الاتجاه من 2005 إلى 2014، والتي تدل على “التغير الملحوظ في التركيز خلال فترة العشر سنوات”، فإن “اللون الأزرق يدل على انخفاض ملحوظ في ثاني أوكسيد النيتروجين، بينما يشير البرتقالي إلى زيادة ملحوظة فيه”.

-نعم، لبنان بالبرتقالي، وفقا لخريطة “ناسا” عام 2015. والبرتقالي يعني زيادة ملحوظة لثاني أوكسيد النيتروجين. الخريطة تنشرها مجددا “ناسا”- ولبنان فيها بالبرتقالي دائما- في موقع خصصته لجودة الهواء. وقد عنونتها: “التغييرات الإقليمية لثاني أوكسيد النيتروجين في الشرق الأوسط، 2005- 2016”. وتشرح الوكالة انه “كانت هناك تغييرات كبيرة في مستويات ثاني أوكسيد النيتروجين في الشرق الأوسط من 2005 إلى 2016. والزيادات الكبيرة، كما فوق وادي نهر النيل والدلتا (مصر) وطهران (إيران)، قد تعكس زيادة في استخدام الطاقة المرتبطة بتزايد عدد السكان. كذلك، حصلت زيادات كبيرة فوق الخليج الفارسي وحقول النفط في العراق”.

وتشير الى ان “النزاعات الأهلية في المنطقة أدّت إلى انخفاض كبير في سوريا، بينما زادت (المستويات) في البلدان المجاورة، مثل لبنان وجنوب تركيا، حيث هاجر العديد من السوريين. في المقابل، سُجِّل انخفاض كبير في دبي (الإمارات العربية) نتيجة التنظيمات البيئية بشأن انبعاثات أكاسيد النيتروجين”.

الى ذلك، تتصدر بيروت لائحة تنشرها “ناسا” في هذا الشأن. فمع ان متوسط ثاني أوكسيد النيتروجين سَجَّل فيها 3,50 (عام 2016)، بينما هناك مدن اخرى تجاوزت هذا المعدل (طهران 11,37، الرياض 9,45، الكويت 5,85، أنقرة 4,56)، الا ان العاصمة اللبنانية نالت المرتبة الاولى بسبب نسبة “التغيّر” التي حققتها بهذا الشأن: 95,68%.

-هل يتسبب ثاني أوكسيد النيتروجين بـ”حالات سرطانية عدة، أبرزها سرطان الرئة”، وفقا للزعم في البوست؟

تضع “منظمة الصحة العالمية” ثاني أوكسيد النيتروجين بين “ملوّثات الهواء”، منبهة الى ان “تلوّث الهواء من أهمّ الأخطار البيئية المحدقة بالصحة، بحيث يودي، وفقا للتقديرات، في المناطق الحضرية كل عام، بحياة 1,3 مليون نسمة في جميع أرجاء العالم. ويتحمّل سكان البلدان المتوسطة الدخل هذا العبء في شكل مفرط”.

بالنسبة الى ثاني أوكسيد النيتروجين، فانه “يؤدي، عندما تتجاوز تركيزاته القصيرة الأجل 200 مكروغرام/م3، وظيفة الغاز السام الذي يسبّب التهاباً حاداً في المسالك الهوائية. كذلك، هو المصدر الرئيسي لهباء النترات الذي يشكّل عنصراً هاماً من مادة الأوزون (عند توفر الأشعة فوق البنفسجية)، ومن الجسيمات التي تنتمي إلى صنف ب إم 2.5 (من آثار التعرّض المزمن لها، وايضا لجسيمات ب إم10، زيادة اخطار الإصابة بالأمراض القلبية الوعائية والأمراض التنفسية، فضلاً عن سرطان الرئة)”.

وتحدّد المنظمة المصادر الرئيسية البشرية المنشأ لانبعاثات ثنائي أوكسيد النتروجين، بـ”عمليات الاحتراق (التدفئة، توليد الطاقة وتشغيل محرّكات المركبات والسفن)”. ومن آثاره الصحية، “ازدياد أعراض التهاب القصبات الهوائية، لاسيما لدى الأطفال المصابين بالربو، وانخفاض وظائف الرئة”.

دخان اسود يتصاعد من معمل الزوق الحراري (النهار).

– وفقا للابحاث، فإن “التلوث في بيروت تجاوز المعدلات المسموح بها لدى الاتحاد الاوروبي. وتتخطى معدلاته الـ10 ميكروغرام في كل متر مكعب”، على قول استاذة الكيمياء ومديرة مركز حماية الطبيعة في الجامعة الأميركية في بيروت الدكتورة نجاة صليبا لـ”النهار” (23 ك2 2018). وفيدراسة أعدها الأستاذ الباحث في كلية العلوم في جامعة القديس يوسف الدكتور شربل عفيف (“النهار”، 23 ك2 2018) مع مجموعة من البحاثة المحليين والأجانب، تناول قياس مستوى علاقة تلوث الهواء باحتمال زيادة حالات مرض سرطان في بيروت الإدارية وضواحيها، تبيّن أن “انتشار المولدات الكهربائية في بيروت الادارية زاد نسبة الانبعاثات السامة بنسبة تراوح من 50% الى 100%”، مشيراً الى “ان 25% من انبعاثات هذه المولدات تصدر في شكل جزيئات صغيرة، وتسيء الى صحة الانسان ورئتيه، وقد تؤدي إلى إصابته بمرض السرطان”.

النتيجة: نعم، الزعم المرفق بالخريطة المتناقلة ان “ناسا” هي مصدرها، صحيح. ويعود تاريخ النشر الى عام 2015. اما الزعم ان “مناطق عراقية ولبنان هما الأكثر كثافة على صعيد انتشار ثنائي اوكسيد النيتروجين السام”، فيفتقد الى الدقة، نظرا الى ان طهران سجّلت اعلى متوسط بين سائر بلدان الشرق الاوسط (عام 2016). في المقابل، جاءت بيروت في المرتبة الاولى على صعيد التغيّر في تركيزات ثاني أوكسيد النيتروجين في هوائها خلال عشرة اعوام، بتسجيل نسبة 95,68%.

بالنسبة الى “الاصابة بحالات سرطانية عدة، أبرزها سرطان الرئة”، يحذّر العلماء ان “ملوثات الهواء”، وثنائي اوكسيد النيتروجين واحد منها، “تزيد اخطار الإصابة بالأمراض القلبية الوعائية والأمراض التنفسية، فضلاً عن سرطان الرئة”.

hala.homsi@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*