لبنان: الصراع المحتدم بين الزبائنية وزبائنها

خلال الحرب الأهلية، وبينما كان الموت والتهجير سمتي الحياة في الكثير من مناطق لبنان، كان جيلنا، ربما بسبب الفتوة العمرية والعقلية ونقص التجربة، يعتبر “الإصلاح” عنوانا لتلك الحرب المدمرة أو عنوانها الداخلي. كان الإصلاح كلمة تعني تطوير الدولة اللبنانية، تطوير نظامنا السياسي، ومنها الجملة المسخرة، أو الشعار الذي ستظهر الأيام اللاحقة مسخريَّتَه وهو: إلغاء الطائفية السياسية.

اليوم وبينما تبلغ الزبائنية الطائفية بالدولة اللبنانية مرحلة تَسمُّم شبه شاملة، تسمّم ناتج عن وصول حجم التوظيف فيها إلى مستويات عددية بمئات الآلاف وتتجاوز الثلاثمائة ألف موظف مما يعني مع عائلاتهم ربع وربما ثلث المجتمع اللبناني المقيم وبينهم أيضا نسبة مهاجرين…

اليوم وبينما يحصل ذلك فينزل “الزبائن” إلى الشوارع ضد القوى السياسية الزبائنية التي أدخلتهم الدولة، أي الزبائن ضد الزبائنيين دفاعا عن رواتبهم وتعويضاتهم التي أصبحت حقوقهم، خلال دراسة موازنة يحتار في معالجة تَسمُّمِها ممثلو وحوش سياسيين يحيط بهم وحوش ماليون، لم يعد النظام السياسي ينتج غيرهم…

اليوم يتكرر وبكثافة كلام مستهلك في الصالونات والمنتديات والقصور على مدى عقود، هو نفسه بهذه الطزاجة (من طازج) والحيوية يكاد يبدو كأنما يُقال للمرة الأولى وكأن جيلا جديدا ساذج التجربة يطلقه. ويتجلّى الكلام الفارغ، الثرثرة التي تضيّع وقتا وصفحات في الصحف بشعارات ومطالب يجري تكرارها رغم ثبوت استحالتها في النظام السياسي القائم والذي تديره قوى نقلت الميليشيات المدنية إلى قلب الدولة التي تمول الميليشيات المدنية والمالية، لخدمة مواقعها القوية فعلا.

بين أبرز هذه الشعارات التي لا يكل اللبنانيون من سماعها، والكثير من تكرارها، التالية:

مكافحة الفساد

استقلالية القضاء

استقلالية الجامعة اللبنانية

إلغاء الطائفية السياسية

الضريبة التصاعدية.

ما هذا الهراء؟ كيف يمكن لنظام طائفي “طوّر” الطائفية السياسية فنقلها من دولة توازن نسبياً بين الطائفيات ولكنها تملك هامشا ما حيال هذه الطائفيات التي تدور حول محورية الدولة بينما اليوم الدولة هي التي تدور بشكل كامل بين محوريات الطائفيات… كيف يمكن لنظام طائفي كهذا أن يلغي الطائفية السياسية؟

ثاني الكلام الفارغ: استقلالية القضاء. لأن هذا الشعار كسابقه، وكلاحقه، مستحيل التنفيذ داخل النظام السياسي. قال لي مرة مرجع سياسي، يشغل إحدى الرئاسات الثلاث وهو مستاء من مقال لزميل يندد بزيارة أحد القضاة له : الطبيعي أن يأتي القاضي الماروني عند رئيس الجمهورية والقاضي الشيعي عند رئيس المجلس النيابي والقاضي السني عند رئيس الحكومة، وغير الطبيعي أن لا يفعلوا ذلك. قالها وهو متعجّب من نقد الزميل. فعلا قالها بصدق لأن هذا جوهر فهمه للنظام السياسي اللبناني.

وهكذا دواليك الشعارات الأخرى الفارغة:

استقلالية الجامعة اللبنانية التي باتت تشبه النظام السياسي بحرفيته. استقلالية من عن من؟ (مع كل الاحترام لبعض الجزر القليلة الناجحة في أرخبيلها).

مكافحة الفساد، الاستحالة الأخرى الثابتة والمتجددة الثبوت.

الضريبة التصاعدية التي تعني أمرين: العدالة في توزيع العبء الضريبي على المداخيل ومنع التهرب الضريبي.

رغم كل اتضاح هذه الاستحالات هناك من لا يزال، وهو غفير، يشغل نفسه بتكرار المطالبة بها. إنها ليست دائما السذاجة السياسية أو حتى الديماغوجية السياسية بل أحيانا،، وغالبا هذه الأيام، خبث معمّم (من عام) يرمي إلى الدفاع عن مصالح صغيرة أو كبيرة.

أكاد أقول يجب معاقبة الذي يرفع هذه الشعارات الإصلاحية من دون توضيح وتفكير بمن هي القوى التي ستقوم بالإصلاح… ولا وجود لقوى إصلاحية، أعني ليس حاملي الشعارات، بل القادرين اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا على تحقيقها.

إصلاحات بلا إصلاحيين: فليتوقف الكلام الفارغ.

حجم الزبائنية في القطاع العام يكاد يجعل الريف اللبناني بلا فلاحين ومزارعين، والمدن بلا عمال، إنهم فقط موظفون من كل الأنواع وأساتذة مدارس وجامعات! طبعا ما يبقى من هذه المبالغة، ولكن الموجودة كظاهرة، أن استسهال التوظيف على السياسيين، واستسهال التوظّف على المواطنين في القطاع العام، وصلا بهذه الظاهرة القديمة منذ ما قبل الحرب إلى حدود من الشراهة تجعلنا اليوم نشهد صراعا مسليا وخطرا بين الزبائنية وزبائنها. حالة تخمة تنتج تسمما خطرا في القطاع العام وتحدث خللا أخطر في الاقتصاد الوطني.

وحوش سياسيون يحيط بهم وحوش ماليون يديرون حياتنا. أيها الشباب اللبناني إذهبوا إلى المزيد من الهجرة. وكما واعدْنا جماعةَ الحراك المدني النظيف قبل سنوات، أكبر حراك شبابي سلمي منذ تأسيس الجمهورية، وانطلق من الثورة الوحيدة في العالم التي سبّبتها النفايات، نكرّر الموعد:

نلاقيكم في المطار.

أتذكّر بعد كتابتي ذلك المقال أن ابنة شقيقتي اتصلت بي معترضةً على موقفي “التيئيسي” وهي كانت بين ألوف الطلبة الجامعيين المتحمسين في الحراك. اليوم هي مقيمة وتعمل في واشنطن مثلها مثل ألوف من أولئك الذين شاركوا في التظاهر باتوا يعملون في عواصم العالم.

نلاقيكم في المطار.

jihad.elzein@annahar.com.lb

Twitter: @ j_elzein

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*