الرئيسية / مقالات / لبنان الجديد الذي لا يشبه لبنان

لبنان الجديد الذي لا يشبه لبنان

أعرف سلفاً ان الوصف اللاحق سيدفع البعض الى اطلاق الأحكام بالشوفينية، وربما العنصرية، وفيروس الفينيقية، وغيرها من العبارات التي يتقنها يساريون على انواع، وبعض العقائديين الناقمين على لبنان القديم، الذي طبعته “المارونية السياسية” كما يدَّعون، وحرم فئات كثيرة ومكونات كبيرة حقوقها المدنية في دولة عادلة. وهذه التهم صارت موضة لإسكات كل رأي معارض، كما معزوفة العمالة لاسرائيل زمن الوصاية السورية التي تحولت تهمة من لا تهمة له. واليوم تطورت التهم وآخرها موضة “التنمّر” التي باتت تتردد عباراتها على كل شفة ولسان. في خلاصة هذه المقدمة ان كل الحملات لا تجدي نفعاً، خصوصا ان خلفياتها معروفة واصحابها معروفون. اما حملات “الجيوش الالكترونية” السخيفة فحدِّث ولا حرج، لانها تنطوي على صغر العقول والنفوس حيث تخوض احزاب وجماعات حروبها الافتراضية بالواسطة من دون ان تجرؤ على اعلان هويتها، وتفلت زعرانها لكيل الشتائم والتعدي على الكرامات ممن لا يملكون منها شيئا. وهذا دليل ضعف اكيد، وربما دلالة واضحة الى لبنان الجديد.

واذا كانت المتغيرات والتبدلات بفعل عوامل كثيرة، وبفعل تطور الزمن، والحروب المتتالية، وصعود نجم الميليشيات، والاغنياء الجدد من المهربين والسارقين، وخصوصا سارقي المال العام، باتت حالة واقعية لا يمكن التصدي لها او منعها، لان الزمن لا يعود الى الوراء، فان المنطق يقضي بالمقارنة ما بين لبنان الأمس، ولبنان اليوم، بوجوهه الجديدة في السياسة والاجتماع والادب والفن والتجارة والصناعة، وبتطور نظامه السياسي، وتحسّن اداء مؤسساته واداراته الرسمية او تراجعها، ونوعية الخدمات المتوافرة لمواطنيه. هذه المقارنة تتيح الجواب الواضح عن الافضل، وعن تطور البلد في نحو خمسين سنة، بعدما عُرف بـ”سويسرا الشرق”، لا لانه اعتمد النمط الغربي في العيش امام وحشة الصحراء، ولا لانه اقام الحفلات والمهرجانات العالمية الطابع، بل ايضا لانه تحوّل مركزا للحريات، ومرتعا لمعارضي الانظمة الظالمة والهاربين منها، ولانه تحوّل مدرسة وجامعة ومستشفى الشرق الاوسط لما تميز به من جودة الخدمات في هذه القطاعات ما جعله قبلة الانظار ومقصدا.

لكن لبنان ما بعد الحرب تبدل كثيرا، وهو يعيش اليوم المرحلة الاكثر وحشية في رحلة التغيير القسرية والقاسية. وتبدو الازمة اكثر خطورة مع الازمة الناشئة من الانهيار الاقتصادي والمالي، حيث اقفلت الابواب امام الجيل الجديد المتعلم والمثقف والذي ينشد الحياة بفرح وحب وانفتاح. وبات الشبان يبحثون عن وطن بديل، او في الحد الادنى عن فرصة عمل لائقة خارج البلد، توفر لهم عيشاً آمناً، ومحيطاً يمكّنهم من التطور والتقدم. كثيرون من اصحاب الكفايات ينشدون الهجرة.

في الداخل، فرص التقدم تتراجع، وفرص العمل تكاد تضمحل، وثقافة الموت تطغى على حب الحياة. الاقتصاد في حال تراجع مستمر، والوضع المالي على حافة الانهيار، وحركة الاموال مقيّدة، والودائع مهددة. الجامعات الدكاكين تكاثرت كالفطر، ومدارس عريقة تتخوف من الاقفال. حياة اللهو والسهر والسفر تخضع للنقص في التمويل، وتكثر في الاسواق البضائع السورية والايرانية. هذا اللبنان لا يشبه اي لبنان. انه فقط الاسم. فهل هذا ما عمل له البعض؟

اضف رد