“لبنان الأوّل عربيًّا في العنوسة”! النسبة الخاطئة الّتي أثارت جدلاً وطنيًّا

صورة تعبيرية (Fernando Brasil/ Unsplash).2

“لبنان الأول عربياً في العنوسة”! الخبر الذي نشرته مواقع اخبارية لبنانية قبل نحو أسبوعين، نقلا عن وكالة انباء اجنبية، لا يزال حديث اللبنانيين على وسائل التواصل الاجتماعي، وحتى في برامج تلفزيونية، نظرا الى النسبة العالية التي زُعِم انه سجلها على هذا الصعيد. “85 في المئة”! صدمة شعّلت التعليقات على وسائل التواصل الاجتماعي، وجعلت الموضوع آنيا، ملحًّا، ومفتوحا على جدل وطني واجتماعي واقتصادي متأجج. ولكن قبلا، ما صحة هذه النسبة المعلنة؟ وهم ام حقيقة؟ وما مصدر هذه المعلومات؟ وهل يمكن ان يكون اللبنانيون يجادلون في ارقام غير صحيحة؟ اضاعة للوقت؟

“النهار” دقّقت وسألت من أجلكم

النتيجة: الزعم المتناقل ان نسبة العنوسة في لبنان تبلغ 85%، “وهي الاعلى في المنطقة العربية”، مشكوك جدا في صحته. اولا الوكالة الاجنبية استندت الى ارقام قديمة نُشرت عام 2013، وبقي مصدرها غامضا! ثانيا، هذه النسبة “مبالغ فيها جدا”، وفقا للباحث في “الدولية للمعلومات” محمد شمس الدين. وقد تم الحصول عليها “بجمع نسب كل الفئات العمرية من عام الى 90 عاما، بما يشكل خطأ مهنيا”.

وفقا لارقام رسمية أصدرها مركز الاحصاء المركزي عام 2007، تصل العزوبية بين النساء في الفئة العمرية 40- 44 عاما الى 21,7%، وفي الفئة العمرية 45-49 عاما الى 15,6%، وفي الفئة العمرية 50- 54 عاما الى 10,9%.

بالنسبة الى ربط نسبة الـ85% بالمنظمة البريطانية
Family Optimize
، يبين البحث ان لا وجود لها! وهم آخر.

الوقائع: في 27 شباط 2019، نشرت مواقع اخبارية لبنانية خبراً نقلته عن مصدر واحد: وكالة انباء “الاناضول” التركية. وجاء في متن الخبر أن “المجتمعات العربية تعاني مشكلة العنوسة في شكل كبير، بحيث ارتفعت نسبتها في الفترة الأخيرة من جراء عوامل عدة. ويأتي لبنان في المقدمة بين الدول العربية، بحيث بلغ معدل العنوسة 85% وفقا لآخر الدراسات، تلته الإمارات بنسبة 75%، ثم كل من سوريا والعراق بنسبة 70%. وبلغت النسبة في تونس 62%، ونحو 50% في الجزائر، بينما بلغت في كل من الأردن والسعودية 42%، ونحو 40% في مصر والمغرب. وسجلت أدنى نسب عنوسة في كل من اليمن بنحو 30%، والبحرين بنحو 25%…”.

في وقت تناقلت صفحات وحسابات لبنانية الخبر بكثافة، عمدت اخرى الى نشر جدول ملوّن بهذه النسب، وقد وضع لبنان في طليعة الدول العربية على صعيد العنوسة.

التدقيق:

-بدءا بوكالة “الأناضول”. ردا على استيضاح “النهار”، قال أحد المسؤولين في مكتبها في بيروت ان الوكالة استندت الى “مصادر عدة في هذه الارقام”، منها موقع
“Tops Arabia”
 الذي نشر مقالة بهذا الشأن، وايضا منظمة
“Family Optimize”.

المقالة التي نشرها
“Tops Arabia”
تعود الى 25 ك1 2014. ويستند بدوره الى أرقام يزعم ان إذاعة “هنا امستردام” الهولندية وراءها. وهنا النسب: البحرين 25%، اليمن 30%، الكويت وقطر وليبيا 35%، مصر والمغرب 40%، السعودية والاردن 45%، الجزائر 51%، تونس 62%، العراق وسوريا 70%، الامارات 75%، ولبنان 85%.

-ملاحظة اولى. الارقام المتناقلة عن اذاعة “هنا امستردام”، او “إذاعة هولندا العالمية” تعود الى تموز 2013. وامكن ايجادها على مواقع اخبارية عربية عدة نشرتها يومذاك. وقالت الاذاعة انه “نتيجة غياب إحصائيات حديثة ودقيقة عن ظاهرة العنوسة في الدول (العربية) التي استهدفتها الدراسة، عمدت الى جمع ما توفر من إحصائيات لدى مراكز الابحاث، ودرستها وقارنتها”. لبنان 86%، الامارات 75%، سوريا 70%، السعودية 45%، مصر 40%، البحرين 25%، فلسطين 7%…

وقد ارفقت مواقع اخبارية يومذاك الخبر بخريطة تبين انتشار “العنوسة في العالم العربي- 2013″، وموقّعة باسم “هنا امستردام”. وكان لافتا جدا عدد العوانس في لبنان، وفقا للخريطة: 5 ملايين! خطأ مطبعي على الارجح! في الزعم ان 15% فقط من الشابات اللبنانيات وفقن في الحصول على شريك”.

-اشكاليات عدة تبرز في ارقام “اذاعة هولندا العالمية”، اولها اقرار معدي الدراسة بـ”غياب إحصائيات حديثة ودقيقة عن ظاهرة العنوسة في الدول العربية التي استهدفتها الدراسة”، ثانيها عدم ذكر اسماء “مراكز الابحاث” التي تزعم “انها جمعت منها ما توفّر من إحصائيات” عن العنوسة. واكتفت بالعموميات، مما يضفي غموضا غير مستحب اطلاقا في مثل هذه الابحاث، ينعكس على جدية نتائجها.

بحثا عن المقالة على موقع الاذاعة، يتبيّن ان رابطها يفتح على صفحة “خطأ”. Error. المقالة الاساسية ازيلت، ولا وجود لها على موقع الاذاعة!

-اذاً، الارقام التي قالت وكالة “الاناضول” انها “آخر الدراسات” عن نسب العنوسة، تعود الى 2013!

“النهار” اتصلت بـ“اذاعة هولندا العالمية” للسؤال عن مصدر الارقام المتعلقة بالعنوسة في لبنان. وقد رد معد المقالة أناس بندريف ، وهو مدرب اعلامي في مركز “إر إن تي سي” للتدريب بهولندا قائلا: “وضعت هذا الرسم البياني منذ زمن طويل عندما كنت أعمل في اذاعة هولندا. وأنا أتفق معك. عدد العوانس في لبنان لا يمكن أبدًا أن يكون 5 ملايين. وقد نشر الرسم البياني قبل تصحيح نسخته الأولى. والرقم 500 الف، وليس 5 ملايين”.

6 اعوام مرت على نشر هذه الارقام. ويتذكر بندريف “أنني جمعت الإحصائيات من وكالات ابحاث ومصادر مختلفة، كي أتمكن من مقارنة البيانات”، لكنه لم يحدد اسماءها. ويتدارك: “ليست لدي أي مشكلة إذا امكنك تقديم إجابات أكثر دقة. ولا مشكلة لدي في الاعتذار إذا تبيّن أن المعلومات خاطئة”.

معلومات خاطئة؟

ما يمكن قوله هو ان نسبة 85% المزعومة لا يمكن ان تكون صحيحة علميا، لانها تنطوي على “مبالغة كبيرة”، على ما يؤكد الباحث في “الدولية للمعلومات” محمد شمس الدين لـ”النهار”. “هذه النسبة خاطئة”، على قوله.

لماذا؟ يجيب: “لقد تم جمع نسب النساء غير المتزوجات من عمر يوم الى عمر 90 عاما. وبالتالي هذا لا يجوز اطلاقا. يجب احتساب نسب النساء غير المتزوجات من عمر 35 عاما الى 50 عاما”. وانطلاقا من هذه الفئة العمرية، “يمكن التكلم على عنوسة”. اما جمع نسب كل الفئات العمرية للحصول على نسبة جامعة، فذلك غير جائز اطلاقا”.

-وفقا لدراسة أعدها مركز “الاحصاء المركزي” بعنوان: “الدراسة الوطنية للاحوال المعيشية للاسر” عام 2007، “يعتبر تأخر سن الزواج وازدياد نسبة العزوبية لدى الذكور والإناث، وبخاصة في الفئات العمرية (20 إلى 39 عاما) واحدة من السمات التي بات لبنان يتسم بها في الأعوام الأخيرة. وتشير المعطيات ذات الصلة الى أن نسبة العزوبية لدى الإناث في لبنان عام 2007، إزدادت نسبيا عما كانت عليه عام 2004”.

وبينت الدراسة ان “نسبة العزوبية لدى الإناث (في الفئة العمرية 20- 24 عاما) تقدّر بـ80,7 في المئة، بينما تقدر في الفئتين العمريتين (25 – 29 عاما) و(30- 34 عاما) بـ52,1% و33,5%. وهي نسب كبيرة عمليا. وتتباين نسب العزوبية في فئات الأعمار هذه بين المناطق المختلفة، بحيث تصل لدى الإناث اللواتي هن في الفئة العمرية 25 – 29 عاما، إلى حدّها الأعلى في بيروت (60.7%)، وحدها الأدنى في الضاحية الجنوبية لبيروت (41.1%)، ممّا يؤشر إلى تباينات وسلوكات ديموغرافية مختلفة بين المناطق”.

وفقا للدارسة الرسمية عينها، يتبين ان معدلات العزوبية بين النساء في الفئة العمرية 35- 39 عاما تصل الى 23,7% عام 2007، وفي الفئة العمرية 40- 44 عاما الى 21,7%، وفي الفئة العمرية 45-49 عاما الى 15,6%، وفي الفئة العمرية 50- 54 عاما الى 10,9%

وهنا جدول بنسب العزوبية لدى الرجال، وفقا لدراسة مركز الاحصاء:

-ما يجب فهمه اذا هو ان نسب العزوبية بين النساء والرجال تقاس علميا وفقا لفئات عمرية محددة، وليس بجمع كل الفئات العمرية بنسبة واحدة. وما يجب ايضا معرفته هو ان لا ارقام “رسمية او حديثة اخرى” غير تلك التي نشرها الاحصاء المركزي في هذا الشأن”، وفقا لشمس الدين. الى جانب “ارقام امكننا الحصول عليها من استطلاعات اجريناها في الدولية للمعلومات”، يقدّر ان “نسبة العزوبية بين النساء في لبنان تراوح من 25% الى 30%”. “وهذه هي النسبة المقبولة علميا، ولا يمكن اطلاقا ان تصل الى 85% وفقا للزعم”.

-بحثا عن
“Family Optimize”
، المصدر الآخر الذي ذكرت وكالة “الاناضول” التركية انها استندت اليه، نجد ان مواقع اخبارية مغربية استندت اليها في مقالات نشرتها قبل نحو 3 اعوام (2016) عن العنوسة في البلاد.

اولا، في التعريف بها، “انها منظمة بريطانية غير حكومية”. ثانيا، الارقام المنسوبة اليها حول العنوسة في المنطقة العربية جاءت كالآتي: لبنان والعراق 85% (كالنسبة التي ذكرتها اذاعة هولندا)، تونس 81%. غير انه كان لافتا تفاوت النسب المنسوبة الى هذه المنظمة بين موقع وآخر: المغرب 60% (في موقع) او 40% (في موقع آخر)، الامارات 40%، قطر 41% او 38%، الجزائر 37%، السعودية 36% او 33%…

-في وقت غاب اي رابط او موقع على الانترنت يقود مباشرة الى المنظمة المزعومة، نفتش عن اسمها في قاعدة بيانات محفوظات المنظمات غير الحكومية في بريطانيا “دانغو”، والتي تؤمن معلومات عن السجلات المتعلقة بالمنظمات غير الحكومية ومجموعات الضغط العاملة في المملكة المتحدة منذ عام 1945 (القاعدة معدلة حتى عام 2011). وبموجب البحث، يتبين ان لا ذكر لها.

والنتيجة هي ذاتها لدى البحث في ارشيف الحكومة البريطانية عن المنظمات والجمعيات الخيرية، وايضا في مكتبة جامعة ديوك. الاسم غير موجود.

النتيجة: الزعم المتناقل ان نسبة العنوسة في لبنان تبلغ 85%، وهي “الاعلى في المنطقة العربية”، مشكوك جدا في صحته. النسبة “مبالغ فيها جدا”، وفقا للباحث شمس الدين، وقد تم الحصول عليها “بجمع نسب كل الفئات العمرية من عام الى 90 عاما، بما يشكل خطأ مهنيا”، في وقت بيّنت ارقام رسمية صدرت عام 2007 ان العزوبية في الفئة العمرية 40- 44 عاما تصل الى 21,7%، وفي الفئة العمرية 45-49 عاما الى 15,6%، وفي الفئة العمرية 50- 54 عاما الى 10,9%. بالنسبة الى المنظمة البريطانية المزعومة،
Family Optimize
، فلا وجود لها! وهم آخر.

Hala.homsi@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*