الرئيسية / مقالات / لبنان إن بكى!

لبنان إن بكى!

ماذا فعلت بالوردة، ماذا صنعت بالذهب؟ أين أنسي الحاج يشقُّ الغياب ويأتي مع كومة من أسئلة اللوم والإتهام؟

إلى أين تنوون إيصال هذا اللبنان المعتَّر بكم، وبالأحقاد التي تختزنونها لتزرعوها تباعاً في الأرض، والجبال، والأَنهر، والبحار، بعدما عرّيتموه من كل ما كان يمنحه ذاك التميُّز وهاتيك الدنيا التي تقارب الجنّات على مدِّ النظر؟

أَلا، أمَا من منقذ ينتشله، وإن لمرّة، من هذه الدوامات التي ما ان تتوارى واحدة لتظهر إنَّ وأخواتها، وما ان تنتهي “خطة إنقاذيّة” كحبر على ورق، إلا لتحل خطة أدهى وأسوأ، له، ولا مجال، ولا أمل. لقد انقضّوا على كل ما كان يمدّ ذاك اللبنان بما يبقيه “زينة المنطقة”، كما كان الاشقّاء يلقّبونه.

وبكل اعتزاز.

هذا التخريب الدائم المتواصل لا يرضي إلا إسرائيل. فهي التي كانت تركيبة لبنان ونظامه، وتنوّعه المؤلف من ثماني عشرة طائفة، وكشاهد دائم، ثابت، ضدها وضد عنصريّتها التي تمارسها كل يوم، وكل ساعة، وكلما تيسّر الأمر لها.

لو عاد شاعر العز والامجاد والإبداع سعيد عقل، وإن للحظة، لما كان سيتردّد بسؤاله التاريخي القديم، بسؤال الخيبة والتعتير: من أين لك كل هذه المآسي والفظائع، وكل هذا الإهتراء؟ كيف سمحوا لكل هذا الدمار بالعبور، بعدما كنتَ مزيّناً بالمحبة والإعجاب؟

للبنان ذاك كتب ذاك المتولِّه بهذه “الجزيرة” المميزة بكل ما فيها، وبكل ناسها، وبكل زائريها: “لبنان إن حكى”. حتى هذه اللحظة نستند في تطلّعاتنا إلى لبنان الأمجاد والإبداع، إلى المناخ الشامل كل الفصول، وكل الحقول، وكل الميادين، وكل الناس، وعلى الرحب والسعة والأهلاً وسهلاً…

شاعرنا، سعيدنا، ما رأيك اليوم، وسط هذه التطوّرات التدميريّة التي لم تترك من لبنانك ولبناننا ولو مجرد إشارة فارقة؟! كأنما بحر الظلمات قد مرَّ من هنا مرور اللئام، مرور الحاقدين، الحاسدين، فما رأيك أن نضع عنواناً جديداً لمرثاة شاملة: “لبنان إن بكى”؟…

أليس هو اليتيم الوحيد الذي اكتشف، فجأة، أن لا أب له يسأم، ولا بنين ولا بنات، ولا أحفاد؟ وحده، وفي أيدي الذين قرّروا أن يترجموا “الإنتصار” على لبنان العز والمجد والتفوق بإلغائه وإلغاء كل ما كانه. ومن أول وجديد، إلى لبنان آخر، لبنان مختلف، ومضاد لذاك اللبنان الذي كان لبنان كل العرب، وكل قضاياهم، وكل المحتاجين إلى نسمة فرح، ونسمة محبة، ونسمة طمأنينة و…

…ومن أجل هذا كله سلخوا حتى جلده عنه. وسلخوا أبناءه وأجياله المتفوّقة التي لم تجد بُدّاً من الهجرة إلى حيث الأمان على الأقل. وحيث القانون. وحيث النظام. وحيث العدل. وحيث يتذكَّرون لبنان الذي كان جنّة الشرق الأوسط…

سعيدنا، سعيد ذاك لبنان، ما رأيك نستبدل “إن حكى” بـ”إن بكى”؟ إنها الآن في مطرحها تماماً، في موقعها الذي يعبِّر عن حجم الخسارة التي لن ينصفها سوى المؤرخين ذات يوم…

اضف رد