الرئيسية / أبحاث / لبنان: أزمة غياب المفوّض السامي (1/2)

لبنان: أزمة غياب المفوّض السامي (1/2)

وسام سعادة – الأربعاء 24 شباط 2021
https://www.asasmedia.com/news/388171

ليست هي المرة الأولى التي نقع في هذا المطب. دستور ليس بمستطاع رئيس الحكومة المكلف بموجبه أن يتقدم بتشكيلته الحكومية لنيل الثقة، إلا إذا نال توقيع رئيس الجمهورية عليها، ورئيس جمهورية ليس بمستطاعه في المقابل، لا هو، ولا البرلمان، ولا أيّ هيئة أو مرجع، بحسب الدستور، أن يسحب التكليف من رئيس الحكومة إلى أن يأتي ميعاد الانتخابات، سواء كانت نيابية أو رئاسية. علمًا أنّ علامات الاستفهام ستتكاثر إذا ما تعلّق الأمر بإجراء انتخابات نيابية من دون حكومة نافذة تشرف عليها. فيما الدستور نفسه، وبالقراءة المعمول بها في السنوات الآنفة، يتيح تمديد الفراغ الرئاسي لسنوات، بل حتّى إلى ما لا نهاية، من دون أن يكون النواب مجبرين على الخروج برئيس للجمهورية، حتى ولو أنهم أعادوا الانتخابات النيابية مئة مرّة.

بالنتيجة، نحن أمام “دستور أنتي دستوري”، منافٍ لماهية القانون الدستوري نفسه. لأنّ الغرض من القانون الدستوري، أن يرسم كيف يمكن للسلطة، في ظل تعدّد السلطات والفصل بينها، أن تحدّ من السلطة، إذا ما عدنا لمقولة العلاّمة الفرنسي “مونتسكيو” بهذا الصدد. أي كيف يمكن للتشريع أن لا يعطل التنفيذ، والعكس بالعكس، وكيف يمكن للقضاء ليس فقط أن يقضي، بل قبل كل شيء أن يتحقق كسلطة دستورية، سيادية، هي في أساس تثبيت “الدولة القانونية État légal”، أي مجموع المؤسسات والأجهزة التي لا تنبثق بشكل أساسي من انتخابات، لكنّ وجودها أساسي بانتظام حال السلطات المنبثقة عن مشروعية شعبية، كي يكون بالمستطاع تحقيق “دولة الحقّ / القانون  État de droit”.

أما في حالة دستورنا، فليس عنده سبيل كي تحدّ السلطة من السلطة، بل كي تعطّل السلطة السلطة، وتتمدد فترات التعطيل والشغور، إن على مستوى التشريع أو التنفيذ، ومن دون أن يكون منظورًا فيه بجديّة كيفية تحقق القضاء في سلطة دستورية. بل إننا في بلد حين نقول بالقضاء كسلطة دستورية، لا نعني شيئًا مختلفًا كثيرًا عن وصف الصحافة بأنها السلطة الرابعة. بمعنًى من المعاني، نحن في نموذج دستوري يعرف سلطتين دستوريتين فقط: التشريعية، والتنفيذية، ولا يسعه أن يعطي أيّ مضمون جِدّي، لا نظريًّا ولا عمليًّا، لكون القضاء سلطة دستورية من بين ثلاث.

بالنتيجة، نحن أمام “دستور أنتي دستوري”، منافٍ لماهية القانون الدستوري نفسه. لأنّ الغرض من القانون الدستوري، أن يرسم كيف يمكن للسلطة، في ظل تعدّد السلطات والفصل بينها، أن تحدّ من السلطة، إذا ما عدنا لمقولة العلاّمة الفرنسي “مونتسكيو” بهذا الصدد

وهذا لا يلغي أنّ العطب الأكبر يبقى في الشكل الذي تقوم به السلطة التنفيذية، بما يجعلها تدخل في مأزق عند أيّ حساسية تحصل بين رئيس جمهورية ورئيس حكومة، وليس هناك أساسًا من بديل للحساسية بينهما، إلا انخراطهما إما في وحدة العاشق والمعشوق بينهما، وإما فناء أحدهما في الآخر تمامًا. لكنّ الأحوال السياسية لا تحتمل في العادة هذا النوع من الفنون التطبيقية للأحوال الصوفية.

وفي كل مرّة تتكرّر أحوال الفراغ والتعطيل بأعباء تزيد إرهاقًا عن سابقاتها، إن على مستوى ما بقي للمؤسسات من دلالة على هذا الاسم، أو على مستوى السياسة بالمجمل والاقتصاد بالمجمل. لكنّ هذا يصيب بعمق، بشكل يزداد ضراوةً، ما بقي من عناصر يمكن احتسابها على أنّها تقوم مقام العقد الاجتماعي في هذا البلد.

والمشكلة هنا غير متعلقة بدستور ما بعد اتفاق الطائف فقط. ربما كان النصّ أكثر انسجامًا في صريح موادّه خلال الجمهورية الأولى. لكنّ المشكلة في هذا البلد مع النزعات الأنتي دستورية في دستوره، مزمنة، وعمرها من عمر ظهور البلد تقريبًا. بشكل أو بآخر، نحن ومنذ عام 1926، أمام مدونة دستورية لا يمكن أن تنسجم موادّها وأحكامها، إلّا إذا تأمّن الوصيّ على هذا النظام مأخوذًا ككل، وتلك كانت حاجة المفوّض السامي الفرنسي. وهو حين أخلى موقعه بعد استقلال 1943 لم يؤدِّ ذلك إلى إلغاء هذا الموقع، أي موقع سلطة التحكيم فوق جميع السلطات، بل إلى إبقائه شاغرًا، وتجري المحاولة لمداواة هذا الشغور مرةً بالتعويل على وئام بين شخصيتين على رأس الحكم، كما في ثنائيّ بشارة الخوري ورياض الصلح، ومرة بالتعويل على مشروع بونابرتي يتفيّأ بشوكة العسكر من بعد حرب أهلية، كما في حالة الرئيس فؤاد شهاب. وفي الحالتين لا يمكن أن يتحوّل ذلك إلى معالجة وافية للمشكلة الأساسية، أي مشكلة أنّنا في نظام، يحتاج كي تعمل مؤسساته بشكل لا تكربج فيها بعضها البعض، إلى من يهيمن عليها تقريبًا من خارجها، أو بإسناد من خارجها، ويفرض توجيهاته كوصي، كمفوض سامٍ يتدخل عند الوصول إلى الحالات الاستعصائية، ويحسمها وفقًا لما يتخيّره من مصلحة.

هذا النموذج الكارثي لم يعد قادرًا اليوم على تكرار نفسه بالأساليب السابقة على الانهيار المالي الكبير، والانسداد السياسي الشامل، ثم التفجير الإجرامي في 4 آب.

فنحن في حالة دولة مديونة لم تعد قادرة على تسديد الديون، وامتنعت عن السداد، منذ نحو العام، والمصارف فيها، الدائنة للدولة، المَدينة للناس، تمنع الودائع عن الناس، والمصرف المركزي يلفّق الآليات لاختزال ما عند الناس في هذه المصارف من ودائع، وفي الوقت نفسه دولة تمنّي النفس بمزيد من الديون والقروض، إن بموجب اتفاق سيدر، أو بالتوجه لصندوق النقد الدولي، وبأعباء زادت بشكل مهول بعد انفجار المرفأ. وفي الوقت نفسه، هي دولة غيورة على سمعتها حين يحلو لها ذلك، وتريد للمجتمع الدولي أن يساعدها بشروطها هي، وللإمبريالية أن تخلع معطفها الإمبريالي وتهبّ لنجدتها في صمت وصَغار. وفوق كل هذا هي دولة مقيّدة. دولة لا تعمّر فيها دولة موازية فحسب، بل تجثم فوقها دولة عليا، هي دولة منظومة حلف الممانعة الذي يقوده حزب الله في لبنان وتنخرط ضمنه، لأسباب مختلفة، كل من حركة أمل وتيار الرئيس ميشال عون وجبران باسيل، ولا تحدث غلبة الحزب على مجموع الدولة، إلّا من خلال الحركة والتيار، الأمر الذي لا يمكن تفكيكه بالشطحات الإرادوية. إنّها كربجة مطلقة.

هذا النموذج الكارثي لم يعد قادرًا اليوم على تكرار نفسه بالأساليب السابقة على الانهيار المالي الكبير، والانسداد السياسي الشامل، ثم التفجير الإجرامي في 4 آب

في الوقت نفسه، هذه الكربجة المطلقة لا تعطي لحزب الله القدرة التي كانت للوصي الفرنسي أو السوري على حسم الأحوال المستعصية، كلما عطلت سلطة الأخرى، أو كلما تخاصم رئيس جمهورية ورئيس حكومة، أو تخاصم أحدهما مع رئيس المجلس النيابي. حتّى الفرنسيون في هذا المضمار لم يتمرّسوا بالجمباز الدستوري “الأنتي دستوري” اللبناني، قدر تمرّس الوصي السوري، في حالة غازي كنعان، في حين بدأت تتحلّل قدرة هذا الوصي في مرحلة رستم غزالة.

وبالعكس، مصلحة حزب الله كثيرًا ما تكون في إدارة الاستعصاء بدلًا من حسمه، كما كان يفعل مفوّضو فرنسا وسوريا. لكنّ الحزب لا يسيطر على هذه اللعبة تمامًا مع الوقت. خصوصًا حين يستشري الاستعصاء ويلتصق بالانهيار المالي والاقتصادي، وحالة الانسداد العام وتعمّق الانقسام حول الحزب وسلاحه، وظهور الدولة اللبنانية أكثر فأكثر بمنظار الدولة المنكمشة أو الضامرة لصالح دولة الحزب.



ندور في كل مرة لنصل بالنتيجة الى تكرار المشهد نفسه: رئيس حكومة لا يمكنه التشكيل من دون توقيع رئيس الجمهورية، ورئيس جمهورية لا يمكنه سحب التكليف من رئيس الحكومة. لكنه اليوم مشهد قد يحمل سمات تفجيرية للوضع أكثر ممّا سبق، وخصوصًا ما جاء في كلام جبران باسيل الأخير، الذي يمكن أن نتركه للجزء الثاني من هذا المقال، المتعلق بالدلالات الطائفية لحال الكربجة الحالية، وما الذي يعنيه باسيل بالتحديد بـ”المسيحيين”، حين يتحدث عن حقوق المسيحيين، فهذه واحدة من طلاسم النقاش السياسي الحالي.

المدهش في الأمر أنّ ما لم يستطِع حزب الله أن ينهض به بعد انسحاب السوريين، بكل قوّة الحزب وسلاحه، من شغل مكان المفوض السامي لتسيير النظام رغم العوائق التعطيلية ضمن هذا النظام، لا سيّما وأنّ الحزب وجد مصلحته أكثر في الاستثمار بالتعطيل قبل أن يحاصره التعطيل هو أيضًا، المدهش أنّه بعد كل هذا لم يغِب الطموح عن باسيل، ليس فقط لجهة وراثة عمّه في رئاسة الجمهورية، بل قبل كل شيء لشغل المكانة الشاغرة منذ انسحب آخر مفوّض سامٍ فرنسي عن لبنان: طموح بحجم مرارة وطن.