الرئيسية / مقالات / لا ينفع الإنكار أمام الانهيار

لا ينفع الإنكار أمام الانهيار

(تصوير نبيل اسماعيل).

سأل النائب ميشال ضاهر وهو رجل اعمال ناجح ويعلم جيدا أوضاع الاسواق المالية بخبرة تتجاوز حدود لبنان بالطبع، في تغريدة طريفة عن الودائع وما اذا كانت “بألف خير، ولكن كإجراء استثنائي فقد تم تشديد الحجر عليها وعزلها خوفا من إصابتها بعدوى فيروس كورونا؟”.

وكان اجاب بنفسه عن سؤال طرحه “أين أموال المودعين؟” ليخلص الى ان “الجزء الأكبر منها صُرف لتمويل الهدر والفساد خلال العقود الماضية، والجزء المتبقي ديون للقطاع الخاص الذي بات عاجزًا عن تسديدها نتيجة الأزمة الاقتصادية. الدولة عاجزة ومفلسة والقطاع الخاص منهار. الحلول صعبة وموجعة ولا مفر من توزيع الخسائر بشكل عادل للخروج من الازمة”.

وامس قرأت رئيس مجلس الإدارة المدير العام لـ FFA Private Bank جان رياشي يقول: “ان الحقيقة لن تُكشف قبل حدوث المزيد من الوقائع المؤلمة”، داعياً الى “التصرّف الآن ولو كان ذلك مؤلما، لكن سيكون هناك ضوء أمل في نهاية النفق”، متخوّفا في حال عدم التحرك من عدم وجود نهاية لمعاناة اللبنانيين. ورأى رياشي انّ البعض يقول إنّنا أمام “عقد ضائع”، لكن يمكن أن نكون أمام أكثر من عقد ضائع، عقد قد يستمر إلى “مدى الحياة”. وتحدث عن أنّه “لن يتبقّى سيولة عملات خلال أشهر، وستتأثر الثروات وسيخيّم الفقر في كل مكان؛ فنحن لم نرَ شيئا من الأزمة بعد”.

قد يرى البعض في وصف رياشي مبالغة وحالة متقدمة من الاحباط والتشاؤم، فيما يرى خبراء اقتصاد آخرون ان الوضع سوداوي لكنه غير قاتم الى هذه الدرجة، وان الحلول ممكنة. ويستند هؤلاء الى تصريحات حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ورئيس جمعية المصارف سليم صفير، خصوصا عند تأكيد الاخيرين ان لا اقتطاع من الودائع، ولا تلاعب في سعر صرف الدولار في مقابل الليرة اللبنانية، وان اجراءات تحضَّر لمزيد من الليونة في التعاملات المصرفية لتسهيل التحويلات وتأمين الاعتمادات لشراء منتجات ضرورية ومعدات طبية وادوية وغيرها.

لكن المياه تكذّب الغطاس وفق المثل الشعبي اللبناني. فالاجراءات المصرفية لا توحي بالتسهيلات، وبالعمل على اعادة بناء الثقة، اذ ان عوامل التضييق على حركة الاموال، وعلى المودعين في تصرّفهم باموالهم، تزداد يوما بعد آخر في استنسابية مطلقة ما بين المصارف، بحيث غابت القوانين التي تحكم العلاقة ما بين المصرف والمودع، والدائن والمدين، وتحوّل المصرفيون للمرة الاولى الى اللامبالاة تجاه رضى المتعامل مع مؤسساتهم او حرده.

يتفهم بعض اللبنانيين، والمودعين العرب والاجانب، بعض التضييق للمحافظة على احتياط الدولار، ولعدم التلاعب بسعر الصرف، وربما لحفظ الودائع، لكنهم لا يتفهمون هذا الغموض في التعامل، والاستنسابية، وبعض اللامبالاة، ان لم نقل الاحتقار.

ولكن اذا تجاوزنا العامل النفسي في التعامل، وتجاوزه ممكن وضروري في هذه المرحلة، فان السؤال الذي يقضّ المضاجع هو “الى اين؟”. ولا يجد اللبنانيون جوابا، وهم باتوا مستعدين للشراكة في الخسارة الموقتة اذا كانت شرطا للقيامة، لكنهم بحاجة الى مسؤول رسمي يطل عليهم بحقيقة ما، فيصارحهم ويدلهم الى الطريق.

ghassan.hajjar@annahar.com.lb – Twitter: @ghassanhajjar

اضف رد