الرئيسية / home slide / لا يستحقّ لقب “الحقير”!

لا يستحقّ لقب “الحقير”!

رامي الأمين – الأربعاء 17 حزيران 2020
https://www.asasmedia.com/news/386312

أثناء تكريمه في العام 2015، قال البطريرك الماروني الراحل مار نصرالله بطرس صفير: “جاهدت، كلّ حياتي، لأستحقّ لقب الحقير الذي حمله أسلافنا”. وكان الرجل يقرن توقيعه بهذا اللقب. وهذا مستمدّ لدى صفير من الإيمان المسيحي أولاً، ومن مقولة “كبير القوم خادمهم” تالياً.

يصعب تفادي هذه المقاربة وأنت تقرأ على مواقع التواصل الاجتماعي الخبر القائل بطلب مدّعي عام التمييز من المباحث الجنائية المركزية “مباشرة التحقيقات لمعرفة هوية الأشخاص الذين عمدوا إلى نشر تدوينات وصور تطال مقام رئاسة الجمهورية”. والخبر في أكثر من مكان عُنون بأنّ عويدات يلاحق “المتطاولين” على رئاسة الجمهورية. ولغوياً، “تطال” و”المتطاولين” تدلّان إلى ارتفاع المقام، وتَكبُّره وبُعده عن الناس، ولا يبدو أنه يُطال إلا بالتطاول. فلو كانت الرئاسة حاضرة، بشخص رئيسها، إلى جانب الناس في هذه الفترة الخانقة والمؤلمة من تاريخ هذه البلاد، لما سمعت أصواتاً وكتابات تحاول أن تهزّ “العرش”.

صفير كان يجاهد ليستحقّ لقب الحقير. والحقارة هنا تعني التواضع والتسامح والتواصل مع الأرض. الأرض، أي تراب الناس، الذين منهم السلطة وإليهم تعود. ولا يبدو أن رئاسة الجمهورية مقتنعة بأن “الشعوب بنت كلب ولئيمة وممكن تزيح العروش في ثواني” على ما يقول أحمد فؤاد نجم. بل تبدو القناعة راسخة لدى ساكن القصر بأن التفرّد بالرأي هو السبيل الوحيد إلى الحكم، وتجاربه السابقة حينما سكن القصر قبل أن تجتاحه القوات السورية في “حرب التحرير” كانت مشابهة. لا يؤمن الرئيس بحرية التعبير، ولا يقبل أن “يُطال” في مقامه العالي. وهنا لا مفرّ من مقاربة ثانية، تضعنا في مقارنة مع الفيديو الذي انتشر بعد حادثة مقتل جورج فلويد، لضابط أميركي (قائد شرطة هيوستن) في مقابلة مع كريستيان آمامبور، التي سألته عن رأيه في تعاطي الرئيس دونالد ترامب مع الحادثة، فأجابها متوجّهاً إلى ترامب: “ابقِ فمك مغلقاً”. هل لنا ان نتخيّل ضابطاً لبنانياً في تصريح تلفزيوني يتحدّث مع رئيس الجمهورية بهذه الطريقة؟

الحكاية التي تروى عن عمر تتضمّن اعتراف الحاكم بخطئه عندما يقع فيه، حتّى لو كان خطأً في خدمة المصلحة العامة وهدفه التقويم

مقارنة ثالثة لا مناص من عقدها، مع الخليفة عمر بن الخطاب الذي كان يتجوّل في الليل بين بيوت الناس ليطّلع على أحوالهم، ومرّة وهو يعسّ ليلاً، مرّ بدار سمع فيها صوتاً، فارتاب وتسوّر، فرأى رجلاً عند امرأة وزقّ خمر، فقال: “يا عدو الله، أظننتَ أنّ الله يسترك وأنت على معصيته؟”. فأجابه: “لا تعجل يا أمير المؤمنين، إن كنتُ أخطأتُ في واحدة فقد أخطأتَ في ثلاث: “قال الله تعالى: “ولا تجسّسوا” وقد تجسّست، وقال “وأتوا البيوت من أبوابها”، وقد تسوّرت. وقال “فإذا دخلتم بيوتاً فسلّموا”، وما سلّمت. فقال: “هل عندك من خير إذا عفوت عنك؟” قال: “نعم، والله لا أعود”. فقال: “اذهب فقد عفوتُ عنك”. وهذه الحكاية التي تروى عن عمر تتضمّن اعتراف الحاكم بخطئه عندما يقع فيه، حتّى لو كان خطأً في خدمة المصلحة العامة وهدفه التقويم. كما تتضمّن القدرة على التقرّب من الناس، و”تطاول” الحاكم على أسوار الناس للاطمئنان إلى أحوالهم وليس العكس، وتواضعه في مواجهتهم بالخطأ والصواب، على حدّ سواء.

نعلم، لسنا نعيش في أميركا. وبعيدٌ رئيسنا كلّ البعد عن عمر بن الخطاب وحكمته وتواضعه وقربه إلى الناس. ولا يستحق حتماً لقب الحقير، كما تمنّاه لنفسه البطريرك صفير، بل يستحق وبجدارة اللقب الذي يحب ويدافع عنه: فهنيئاً لك “الفخامة” يا فخامة الرئيس.