الرئيسية / أخبار الاقتصاد / لا مساعدات قبل ضبط عجز الكهرباء وتكثيف الاستثمار

لا مساعدات قبل ضبط عجز الكهرباء وتكثيف الاستثمار


مروان اسكندر
5 كانون الثاني 2018

رئيس الوزراء الذي يسعى الى تجاوز الازمة الاقتصادية كلّف فريقًا وضع مشروع لتنفيذ برامج تطويرية للتجهيز البنيوي والمشاركات بين القطاعين الخاص والعام على مدى 10 سنين وبتكاليف مرتقبة تزيد على 16 مليار دولار.

لا شك في ان الطموح الى الافضل أمر جيد، لكن التخطيط لـ10 سنين بعيد عن التحقيق في لبنان، والتخطيط المركزي لم ينجح حتى لفترات أقصر إلّا في الاتحاد السوفياتي لمدة طويلة شملت الاستعداد للحرب العالمية الثانية ونتائجها الكارثية. واستمرت على تراجع حتى الثمانينات حينما فشلت محاولات خروشوف لتحرير الاقتصاد مع ابقاء النفس الشيوعي وأدت الى انهيار الاتحاد السوفياتي وتفككه. أما استعادة صحة الاقتصاد الروسي، فكانت على يد فريق بوتين الذي استعاد للدولة الشركات التي نهبها فريق الأوليغارشيين الـ14 ممن ابتاعوا شركات النفط والألومنيوم والغاز وانتاج الذهب بابخس الاثمان ومقابل مدفوعات من قروض حصلوا عليها من مصارف الدولة. وقد وضعت كتابًا عن هذا الموضوع مديرة مكتب “الفايننشال تايمس” في موسكو عنوانه “سرقة العصر” وهي اليوم وزيرة خارجية كندا. واستطاعت روسيا استعادة النمو لان حكمها قوي، وروسيا أغنى بلد بالثروات الطبيعية والمستويات العلمية لأهلها جيدة، ولا يمكن مقارنة لبنان بأوضاعها.

في الصين اعتمدت بنجاح خطط السنوات الخمس. والوضع في الصين يختلف الى حد كبير. فعدد السكان يشكل نسبة 22 في المئة من سكان العالم. والصينيون كانوا دومًا متفوقين في العلوم، وهم اليوم من قادة التكنولوجيا المعلوماتية والالكترونية، وعلى سبيل المثال شركة انتاج الهواتف الذكية “هواوي”التي طرحت منتجاتها في الاسواق العالمية منذ خمس سنوات وباتت تسوّق عددًا من الهواتف الذكية يفوق عدد الهواتف الذكية التي تنتجها حاليًا شركة “آبل” أي آيفون.

لا تقتصر البرامج الصينية على السوق الصينية. فالرئيس الصيني حاليًا يطمح خلال ولايته الجديدة الى تركيز أسس تنشيط “طريق الحرير” التي هي منصات متكاملة للتجارة والتصنيع والتبادل تمتد من الصين الى الباكستان وايران والخليج العربي وبلدان الشرق الاوسط، والتوجه الى تنشيط التجارة والتبادل بحرًا يمتد من المحيط الهادئ الى المحيط الهندي وبحر العرب وجنوب افريقيا وشمالاً نحو بلدان شرق افريقيا فالسودان ومصر.

لا يماثل لبنان في نظام حكمه ما كانه الاتحاد السوفياتي وما هي روسيا اليوم، التي باتت جارة لبنان في سوريا. فاتفاقات الروس توفر لهم القواعد البحرية في المياه السورية، وحقوق التنقيب عن النفط والغاز في المياه الاقليمية السورية. وللروس انجاز المطارات العسكرية حيث يرتأون، ولا شك في ان الدور الروسي سيتعاظم مع انحسار الدور الايراني نتيجة ما يجري في ايران.

من المؤكد أنه اذا كان لبنان، الذي تستند ميزات استمراره الى التوافق بين ابنائه، غير روسيا، وتالياً غير مهيأ لتنفيذ برامج خمس وعشر سنين، فهو أيضًا بعيد كل البعد عن المعطيات التي سمحت للصين بتنفيذ خطط خمسية متلاحقة منذ عام 1987 وحتى تاريخه جعلتها القوة الثانية عالميًا على صعيد الحجم الاقتصادي والانتاج الالكتروني.

ما هو السبيل المتوافر للبنان كي يحقق معدلات النمو المرجوة والمتوقعة في برنامج الرئيس الحريري أي 5 الى 6 في المئة سنويًا وان يحافظ عليها لوقت طويل؟

قياسًا بالاوضاع الاقتصادية التي واجهها لبنان خلال موسم ضمور الاقتصادات العربية في الخليج وانحسار نمو الودائع ونتائج الازمة المالية العالمية التي تجاوزها بحكمة فريق مصرف لبنان، نحن في حاجة الى تحقيق ثلاثة اهداف خلال سنة 2018 والتمهيد من طريق انجاز الاهداف الثلاثة للقدرة على تحقيق معدلات النمو المستدامة التي رصدها فريق رئيس الوزراء.

أولاً: علينا خفض عجز الموازنة بما يساوي ملياري دولار وهذا الخفض ممكن التحقيق اذا تخلينا عن برامج استئجار بواخر اضافية للكهرباء، وأقبلنا على تكليف شركات خاصة توليد الكهرباء من مولدات نقالة ذات تأثير بيئي أفضل من المعامل القائمة حاليًا والمتقادمة العهد. وكما اشرنا مرارًا انارة بيروت، وطرابلس، وصيدا، والنبطية، وصور، وبعلبك ممكنة على مثال ما حققته كهرباء زحلة.

ثانيًا: اختصار عجز الكهرباء يجب ان يرافقه ارتفاع في الاستثمار الخاص سواء في شركات تامين الكهرباء، التي يفضل ان تكون خاصة على ان تخضع التعريفات للاستهلاك لقرارات وزارة النفط والطاقة ووزارة الاقتصاد، كما يجب التوجه الى استقطاب الاستثمار في مصفاتي طرابلس والزهراني وتوسيع طاقات المصفاتين، وتحويل المصفاتين الى شركات ذات ملكية مشتركة بين القطاعين العام والخاص. ولا شك في ان توسيع وتحديث المصفاتين لتبلغ طاقتهما 8-10 ملايين طن تستدعي استثمار ملياري دولار على فترة سنتين، وهذه التوظيفات تتفاعل مع التحضيرات لبدء أعمال التنقيب عن النفط والغاز والتي ستوفر آلافاً من فرص العمل لاختصاصيين في مجالات مختلفة.

ثالثًا: ضبط عجز الكهرباء، الذي كان ولا يزال شرطًا لتوافر المعونات الخارجية منذ عام 1998 وحتى تاريخه، يوفر البرهان على نية الحكم التوجه نحو الانجاز الحقيقي وتجاوز استسهال الاقتراض لتنفيذ مشاريع تدغدغ آمال بعض المسؤولين.

المبادرة في مجال الكهرباء، وتوسيع المصفاتين، يجب ان تتكامل مع مشاريع معالجة النفايات، وكما من الافضل الابتعاد عن استئجار البواخر لتوليد الكهرباء بحيث تبلغ اعباء الايجارات خلال ثلاث سنوات ما يساوي تكاليف انشاء محطات حديثة بطاقة أكبر خلال سنتين، يجب ان نبتعد عن موضوع المحارق التي يستوجب انشاء كل من المحارق الأربع أو الخمس المقترحة تخصيص 200 ألف متر مربع من الأرض ومساحة مماثلة لاحتواء الرماد الناتج من الحرق، فأين لنا 400 ألف متر مربع حول بيروت، وربما لمحرقة أصغر 300 ألف متر مربع حول طرابلس، ومن بعد النبطية الخ.

مبادرة نعمة افرام التي خاض غمارها بالتعاون مع بلديات في كسروان والتي تؤدي الى معالجة 200 طن من النفايات يوميًا واستخلاص منتج يصلح للاعتماد كوقود نظيف لانتاج الكهرباء، واسمدة طبيعية، يستحق التوقف عنده وادراك نتائجه الايجابية.

اذا اقبلت الحكومة على اعتماد المنهج الذي نعدده لسنة 2018 يمكن التأكيد انها تستطيع الحصول على التزامات لمعونات، أنما الأهم والأجدى تستطيع تحريك الاستثمارات نحو لبنان ويمكن ان تسعى حينئذٍ الى تحريك السوق المالي وانعاش العمل المصرفي… عسى أن يكون هناك من يسمع.

اضف رد