الرئيسية / مقالات / لا مجال لمكافحة الفساد في لبنان

لا مجال لمكافحة الفساد في لبنان

جهاد الزين
النهار
20122018

من أسوأ الكلمات السياسية التي استخدمت وتُستخدَم خلال أزمة تشكيل الحكومة التي ستؤول إلى الانفراج عاجلا أم آجلاً، هي كلمة “هدية” كتوصيف للحكومة الجديدة، واعتبارها “هدية إلى اللبنانيين”.

هذا التوصيف الذي انتشر بشكل واسع بين السياسيين وبعض الإعلام خصوصا المرئي لا يمكن استخدامه في هذا المجال في دول متقدمة كإيطاليا أو ألمانيا أو إسرائيل أو حتى في دولة نتشابه معها في التخلف السياسي كالعراق وكلها دول تعرضت في كل منها عمليةُ تشكيل الحكومة إلى مصاعب أدّت لتأخير عملية التشكيل مثلما يحصل حاليا في لبنان ويمكن أن تتعرّض لها في أي وقت في المستقبل وخصوصا بعد الانتخابات.

فيما كنت أكتب الفقرة السابقة حصل خطأ مني أو من الكومبيوتر أدّى إلى ظهور كلمة “التلف” بدل كلمة “التخلف” السياسي. في الحقيقة نبّهني ذلك إلى مصطلح جديد هو التلف السياسي الذي يمكن أن يكون في وصف حالتنا اللبنانية أكثر قوة تعبيرية من التعبير التقليدي (والصحيح): التخلف.

في هذا التلف السياسي الذي نعيشه كإحدى علامات واضحة لتلف متعدد المستويات، اعتبار تشكيل الحكومة “هدية إلى اللبنانيين” هو احتقار سافر لكل معاناة اللبنانيين مع مشاكل الدولة وقصوراتها الفادحة في النفايات والكهرباء والفساد البدائي والمودرن، المشاكل التي تكاد تحولها إلى دولة فاشلة، وهي طبعا بات من المسَلّم به أنها دولة مفلسة.

عيب هذا التعبير: تشكيل الحكومة هدية إلى اللبنانيين. لأن الهدية ليست ما تعتبره الطبقة السياسية في احتفاليتها مع نفسها هديةً، أي تشكيل الحكومة، هذا العمل البديهي جدا لانتظام بنية الدولة، بل الهدية هي القدرة على تقديم حل حقيقي لأي من المشاكل البنيوية والخدماتية الكبرى التي يواجهها اللبنانيون بسبب الهدايا السامة لسلوكيات الطبقة السياسية بكل تلاوينها.

أنتظر مثل غيري تشكيل الحكومة، وستتشكّل طبعا، ولكن بكل عدم الثقة العميق حيال قدرة هذه الدولة التافهة على حل مشاكل البلد الرائع لبنان.

وحتى اليوم، لا أعتبر نفسي كمراقب سياسي مجازفاً في رأيي إذا كتبتُ أن تشكيل الحكومة أو عدم تشكيلها ليس ضروريا في مسار شبكة الأمان الدولية التي تحمي لبنان، ولا تزال تحميه من الانفجار الأمني الحدودي أو الداخلي. هذا ليس مزاحا. فبإمكان جهاز الدولة الإداري (الفاسد بجزء كبير منه) بالحد الأدنى من إشراف مراجع الدولة السياسية، أصيلةً أو مُكلّفةً، أن يدير علاقات الدولة وخدماتها ومصالحها المتعثرة أصلا.

دعك من خرافة أن الحكومة الجديدة ضرورية للبدء بمكافحة الفساد. مكافحة الفساد، بمعزل ربما عن بعض النوايا الشخصية لدى بعض السياسيين الشباب، غير ممكنة في لبنان بل مستحيلة في ظل الأطقم السياسية الحاكمة والمترسخة اجتماعيا في نظام قوي جدا من الزبائنية المدعومة بالحقن الطائفي المُمَأْسَس.

مكافحة الفساد خرافة إذا لم توجد صيغة لإدارة ما أجنبية مباشرة (فرنسية غربية) لمرافق الدولة الخدماتية والضرائبية. وليس في الوارد العملي صيغة من هذا النوع، فكما أظهرت جلسات “مؤتمر سيدر” لم يتكرم علينا الرئيس إيمانويل ماكرون بكلمة توبيخ أو تأنيب واحدة للطبقة السياسية اللبنانية وهو يعِدُها بكل القروض والهبات التي يمكن أن تفتح مغاور جديدة للنهب، (وكلمته الأكثر اعتدالا): الهدر.

الرئيس ماكرون الذي يرأس دولةً، مكافحة الفساد فيها عملية يومية جادة وجزء لا يتجزأ من تقدمها، لا يستطيع أن يتجاهل معضلة التركيب الفاسد المجرّب للطبقة السياسية اللبنانية، وينبغي إيجاد صيغة ما ضاغطة أكثر من رعاة “سيدر” لتنفيذ سليم للمشاريع والإصلاحات المطلوبة.

كلمة إصلاحات هي أيضا مسخرة حين يرتبط معنى الكلمة بمحيطها. وكما أظهر كتاب بوب وودوورد الشيّق الأخير، الذي هو الكتاب الأول الذي أقرؤه كاملاً، فإن بين الكلمات الأكثر استعمالا في أحاديث صراعات موظفي وخبراء البيت الأبيض في عهد دونالد ترامب كانت كلمة: “فاكينغ”، بمعانيها الشتمية الشائعة وليس بمعناها الجنسي الأصلي. فكيف ونحن تقريبا في عهود لبنانية مستمرة منذ أكثر من ربع قرن من الفاكينغ السياسي المالي المعلَن وقبله عقد ونصف من الفاكينغ الحرب أهلوي.

مكافحة الفساد في الشروط اللبنانية تحتاج إلى مجازفة سياسية من داخل الدولة أو قضائية غير متوفرة الاحتمالات. فيما لا قدرة شعبية (وفي العمق لا إرادة شعبية) ولا قدرة نخبوية على إحداث التغيير (في أرمينيا قادت نخب المعلوماتية والاقتصاد الجديد حراك التغيير السياسي الناجح) . نحن البلد الوحيد في العالم الذي شهد ثورة نفايات، أي أن تراكم النفايات الفضائحي أحدث ثورة سياسية فيه، ولكن لم تصل إلى نتيجة ونجح النظام السياسي في إجهاضها بحجج وأفعال مختلفة لم تكن صعبة التنفيذ بسبب قوة النظام ولو في إدارة دولة ضعيفة.

jihad.elzein@annahar.com.lb

Twitter: @ j_elzein

اضف رد