الرئيسية / home slide / لا عن تخلّ أو عقوق… بل لأن الحياة هي هكذا!

لا عن تخلّ أو عقوق… بل لأن الحياة هي هكذا!

 حسن داوود
القدس العربي
27082020

حين بات ألدو في السادسة والسبعين، هو الباحث والأستاذ الجامعي وكاتب المقالات للصحف، والمعدّ لبرنامج للتلفزيزن المحلي، لم تعجبه التعليقات التي دوّنها على هوامش الكتب التي كان قد قرأها في فترات سبقت من حياته. علامة التعجّب هذه بلا معنى، قال بعد قراءة السطور القليلة التي كانت دفعته لوضع تلك العلامة. كما رأى أنه ليس مصيبا في معارضته فكرة من الكتاب، ولم يكن قد لاحظ من قبل أن أفكاره تغيّرت عما كانت عليه. ربما يرجع ذلك التغيّر إلى تقدّمه في العمر، أو إلى التبدلات التي يجريها تقلّب الزمن، وفرضه أساليب تفكير متجددة، وذلك لا يتعلق فقط برأينا في ما كنا قرأناه، بل يطال أيضا طرقنا في العيش.
لم يكن «ألدو» سيستمر في علاقته مع «ليديا»، هو المتزوج والأب لطفلين، لولا التحريض الذي كانت تلح فيه أفكار سنوات الستينيات. آنذاك، لم يعد كون المرء متزوجا ولديه أسرة علامة على استقلاله، بل على تخلّفه، كان دون الثلاثين حين وجد نفسه ينجرف بتيار الأفكار الجديدة التي طغت في المحيط السياسي والثقافي الذي ينتمي إليه. «وعلى رغم قوة العلاقة بيني وبين زوجتي وطفليّ، انجرفت في سحر أساليب الحياة التي تقطع بشكل منهجي مع كل الروابط التقليدية».
عبارة من نوع «أنا على علاقة بأخرى» صارت، في سنوات الستينيات تلك، تعبّر «عن حرية وليس عن ذنب». كان يقال آنذاك: أنا على علاقة بأخرى وليس وقعت في حب أخرى، «فالحب في تلك الفترة أصبح مفهوما سخيفا بعض الشيء، شيئا من بقايا القرن التاسع عشر»، لكن، مع ذلك، كان أثر الزمن السابق على ذلك «التحرّر» باقيا في منزله. فعلاقة ألدو مع ليديا، الحسناء المختلفة تماما عن زوجته، سرعان ما انكشفت لهذه الأخيرة. وهو ساعد في ذلك الانكشاف، إذ بات بعد تعلّقه الشديد بمعشوقته يغيب عن البيت لساعات، ثم لأيام، ثم لأسابيع قبل أن يصير مقيما كل الوقت في شقتها. وكما يحدث دائما، يبدأ تبكيت الضمير، والتراجع عن العلاقة العابرة، وإن طالت، مع الأولاد الذين يتولون إشعار الأب الضال بالذنب، من غير أن يبادروا إلى إظهار ذلك أو التعبير عنه، ذاك أنهم، على جاري العادة في الأمور المماثلة، يحفظون في دواخلهم كل المشاعر التي يولّدها رحيل الأب، وتبدل مزاج الأم تبعا لذلك، وتغير شكل الحياة بكامله.
تبدّل رواية دومينيكو ستارنونه رواتها، فتجري وقائعها حينا على لسان الزوج، وعلى لسان الزوجة حينا آخر. كانا عند بدء الرواية في عمر الثلاثين، وهو الزمن المثالي لضيق أحدهما، الزوج غالبا، بالشرنقة التي حُبس فيها. هي فترة الأزمة في الزواج، ما يجعل قارئ الرواية يتساءل كيف أمكن لستارنونه أن يصنع رواية على هذه الأهمية، في ما موضوعها مغرق في نمطيته إلى هذا الحد. لم يُظهر أي من الزوجين عن شيء يتجاوز ما يجري في كل علاقة، بل إن الكاتب بدا مصرّا على عادية موضوعه مؤكّدا، إزاء أي تفصيل، على أن هذا ما يحدث في العادة، لكن، رغم ذلك نجد أنفسنا متعلّقين بالاكتشافات المتتالية التي يتوصل الكاتب إلى رفع النقاب عنها، وإلى الكشف عن التفاصيل الصغيرة لحياة الزوجين وتعميمها، هكذا عن قصد، كأن لنعلم أن أهمية هذه التفاصيل مستقاة من شيوعها، بل من عالميتها، أو كونيتها.

الرواية، رغم سرعتها وذكائها وحياديتها العاطفية، تأخذ قارئيها إلى الشعور بقساوة الحياة، وقلة وفائها وبهشاشة كل ارتباط، حتى بين أفراد العائلة الواحدة.

ولا يكتفي الكاتب بإجراء الرواية مرة على لسان الزوج ومرة على لسان الزوجة، بل هو قفز عن ذلك إلى نقلِهما معا، كراويين، من عمر الثلاثين إلى عمر السبعين. هناك، في كهولتهما، سنجد كيف أن ما حدث بين ألدو وليديا ما زال ماثلا، وأنهما مستمران في العيش تحت وطأته. لقد تغير الزمن مرة أخرى. لم نعد في الستينيات وأفكارها، بل إن القرن التاسع عشر، الذي كان مذموما في ذلك الوقت، عاد ثانية. في السبعين يعود الكاتب، وإن ملمحا، إلى تلك التفاصيل التي تتعدى العلاقة بين الزوجين، لتتوقف عند الكهولة وما تجرّه. ليس النسيان فقط، وليس تغير الهيئة، بل أيضا تغير السلوك، وضعف الاستجابة لما يصدر عن الآخرين في الخارج، لكن، وفوق ذلك العجز عن تدارك تلك الحادثة، العارضة مبدئيا، وهي سطو سارقين على منزل الزوجين الكهلين وتخريبه. «هل نخبر ابننا وابنتنا فيأتيان لإعانتنا على رفع هذه الأنقاض»، يقول أحدهما، الزوج أو الزوجة، فيجيبه الآخر بأن من الأفضل تركهما في حالهما، «وسنتدبر أمرنا بنفسنا».
في الفصل الأخير تنتقل الرواية إلى الابنة، راويةً، ومحاورة شقيقها الذي بات الآن في الخمسين من العمر (هي أقل من ذلك بسنتين). جعلا يتناوشان حول مثالب كل منهما تجاه الآخر، ومستعيديْن تبعات الأزمة التي تولدت عن نزوة أبيهما. كل منهما لديه معرفته الخاصة عنها، وحصّته من أسرارها. لكنها يبدوان بعيدين عن أهلهما، كأن الصلة العاطفية انقطعت عنهما، إلى حد أن الابنة تقترح على أخيها أن يعملا على أن يبيع أهلهما بيت العائلة ويقتسمان ثمنه، هما البنت والابن، على أن يستأجر العجوزان بيتا صغيرا يضمهما.
الرواية، رغم سرعتها وذكائها وحياديتها العاطفية، تأخذ قارئيها إلى الشعور بقساوة الحياة، وقلة وفائها وبهشاشة كل ارتباط، حتى بين أفراد العائلة الواحدة. قابلية «الأربطة» (وهذا عنوان الرواية) إلى الانفكاك شاملة الجميع، حيث لا يبقى من الأواصر الجامعة بين الفرد والآخر إلا الشعور بالأذيّة التي ألحقها به.
٭ «أربطة» رواية الكاتب دومينيكو ستارتونة نقلتها عن الإيطالية أماني فوزي حبشي وصدرت عن دار «الكرمة» في 200 صفحة» 2019

٭ روائي لبناني