اخبار عاجلة
الرئيسية / home slide / لا عضاريط بعد اليوم

لا عضاريط بعد اليوم

11-05-2022 | 00:40 المصدر: “النهار”

سمير عطالله

Bookmark
أضف للمفضلة
تعبيرية (نبيل إسماعيل).

“إن جهل ناخب واحد في الديموقراطيات يعرّض أمن الجميع للخطر”
جون كينيدي

أكثرنا لا يعرف عن فنون الرسم سوى أنه يحبها. أما لماذا هي تشكيلية ولماذا سوريالية ولماذا “طبيعة صامتة”، كما يسمّيها الانكليز، أو “طبيعة ميتة”، كما يسمّيها الفرنسيون، فالأمر لأهل الاختصاص. والسوريالي هو غير المألوف. كأن ترسم امرأة قدمها في فمها وعلى رأسها بطيخة، أو بطة لها رأس حمار ومياسم جمل. أما الطبيعة الصامتة أو “الساكنة”، كما في الأصل الهولندي، فهي رسم المَشاهد غير الناطقة كالجبال والبحيرات والبنك المركزي.
اللذيذ في هذا البلد اللذيذ، ليس فقط في التنوع والتعدد في مكوناته الخالدة ومركّباته السحرية، بل في تعدد المَشاهد وتنوعها وغناها في الابتكار. يوم سوريالي، بطة تحمل جملاً، أو عصفورة تداعب فيلاً، ويوم طبيعة ميتة، المشاعر والضمائر.

في هذه اللوحة تمثّل الدولة الطبيعة الميتة: لا روح فيها ولا شيء يحييها. ويمثّل الناس الفن التشكيلي. ويمثّل الوطن عشرات الآلاف من المغتربين سعداء الحظ لأنهم عثروا على وطن آخر.

في “الطبيعة الميتة”، لا شيء يتحرك. يقع ثالث أقوى انفجار تقليدي في التاريخ ويموت الضحايا جملة وتقسيطاً، ثم تُرسل القوى الامنية لحراسة المواكب الانتخابية. تعمّ المجاعة ويسود البؤس واليأس والهوان، ويدفع المرشحون 100 ألف دولار للساعة الاعلانية على الهواء والهراء المكرَّر والمصفّى.

في هذا المشهد المثلث الأبعاد، تشكيلي سوريالي طبيعة ميته، تظهر فجأة في قلب بيروت، سيدة في منتهى الاناقة الصامتة، وتعبر المدينة نصف عارية، بصفتها زوجة وأماً، لا يلتفت القضاء اليها، ولا ينظر في قضيتها، لا زوجة ولا أماً ولا مواطنة.

كيف يكون صدى مثل هذه الصورة التي لا مثيل لها؟ بيان صادر عن قوى الأمن الداخلي، يبلغ الشعب ال#لبناني العظيم، أنه تم التحقيق مع المرأة ثم أُطلِق سراحها بعدما وعدت بألاَّ تكرر هذا المشوار في قلب المدينة نصف عارية. كم مرة مسكينة هذه المرأة. تريد من القضاء النظر في حضانة اطفالها، فيما هو منهمك في التحقيق الجنائي.

يتداخل هنا السوريالي بالطبيعة الميتة: امرأة معلِنة عريهّا، كاشفة عورتها، ساخرة من معيّريها، تجوب المدينة وكل ما ومِن حولها طبيعة ميتة. لم يعد شيء يحرّك شيئاً في “الطبيعة الساكنة” ولا حتى الفضول. لا شيء. بعد بحر بيروت وبحر طرابلس، تبدو حكايات البر في العاصمة مزعجة وغير مسلية. بدل ان يحرك مشهد العري السفلي القضاء وجمعيات المرأة والمحاكم الدينية، تُصرف المرأة بعد التوقيع على وعد بأنها لن تستعرض في شوارع العاصمة الرئيسية، ما سفل أو ما علا أو ما توسط، من بواطن الجسد وضجر الروح.

في القرن الثالث عشر امتطت الليدي غوديفا فرساً وسارت عارية في شوارع مدينة كوفنتري (فاتيكان الانجيليين) احتجاجاً على الضرائب المرهقة التي فرضها زوجها على الناس. لكنها قبل ذلك طلبت إخلاء شوارع المدينة وإغلاق نوافذ البيوت وغطت جسدها كله بشعرها الاشقر الطويل. أمّا امرأة العاصمة فيصفها الزميل محمد بركات في “أساس”: “…والمرأة بشعرها الأسود المفلوت وحذائها العالي وقميصها الأبيض…” فقد مشت وشبابيك المدينة مفتوحة ومصوّروها يتابعون المسيرة في همّة ودقّة.

الشيطان في التفاصيل. والبلدان كذلك. في جملة النهايات والزوائل، زوال المفاجأة. بدت مسيرة السيدة الاعتراضية، أمراً عادياً. نزهة في يوم مشمس مع بدايات الربيع. لم يكن عبثاً اختيار 15 أيار موعداً للاقتراع برغم شؤمه التاريخي وذكرى النكبة ووعد بلفور. وهل يمكننا المكابرة وتجاهل النكبات المتتالية التي لم تُبق شيئاً، بحيث ان الناس فقدت أحاسيسها مثل السُّلطة. ألم ينقسم اللبنانيون حول اعتداء ايلي هيكل على الوزير وليد فياض بأسلوب همجي وتافه معاً؟ هو يحاكِم وهو يحكم وهو ينفّذ الحكم. ومن ثم يقوم مَن يؤيده ويدافع عن الاسلوب البربري في معارضة السلطة بحيث يتساوى معها في احتقار القانون.

الصفعة عمل حقير ولم تعد سارية إلاّ في المخافر التي لم تصلها القوانين بعد. وللمصادفة ان بريطانيا تناقش مشروع قانون يمنع هذه الوسيلة المحتقرة حتى في صفع المولود لئلا تترسب فيه مدى الحياة مشاعر الذل. لا يكفي أن يكون الوزير من السلطة ولا المعتدي من المعارضة كي يُجاز هذا الاسلوب الحجري.

تعيد منظومات الحكم الشعوب عمداً الى بدائيتها. تروّضها مثل الدببة في السيرك. ولا يعود المروِّض في حاجة الى استخدام سوطه بل يكفي ان يضربه في الهواء. صوته وحده يكفي. في الماضي كان استاذ المدرسة يدخل الى صفه، وفي يده مسطرة وكأنه داخل الى حظيرة. مع انه قد يكون محاضراً عن فولتير.

يجب الاقتراع لأناس يعيدون مفهوم القانون والدولة والإحساس بمسؤوليتنا عما فقدنا. وفي مثل هذه الحالة الشديدة الخطورة، كل صوت مسؤول في انتشال لبنان من الضائقة التي رُمي فيها. ليس الفوز هو المهم، بل الواجب، وليست الخسارة، بل الشجاعة. خصوصاً الشجاعة في مواجهة النفس.

قد يبحث المرء في الخارج عن اصدقاء وحلفاء، لكن ليس عن باعة ومشترين. لا يمكن لوطن ان يبقى في ظل عقلية الصفقة وعمى العبودية.

الخطأ ليس في الطبقة السياسية التي لا تعطي سوى ما تملك، ولا تقدم سوى ما تعرف. الخطأ في الخيار. والخطأ الأكبر في عدم اعتراف الناخب بمسؤوليته. الاصرار على التعلق بالصفر. والصفر من دون رقم يلحق به، كارثة مضاعفة. ماذا ينتظر اللبناني لكي يدرك مدى مسؤوليته في ما أحلّه بنفسه وببلده؟ هل اللوم على الآخرين حتى في الغرفة السرية؟ ألم يشبع عتماً وهمّاً وخراباً ونعياً وقرفاً من خياراته؟ وطن النجوم أنا هنا حدّق / أتذكر مَن أنا؟ يا سيدي حدّقنا. أنت إنسان فاشل تحب تعذيب الذات. يسرقونك في عزّ الظهيرة وتصفق لهم. ينهبونك وتسجد لهم. يضحكون منك وتضحك معهم. يجوِّعونك وتحملهم على اكتافك. حسن. حاول ان تكون مواطناً بدل ان تظل عضروطاً. وسامحني على قاموس سيد القواميس، عمّنا ومولانا أبا الطيب. و”شرحُها الخادم على طعام بطنه”. العضاريط الرعاديد، أو الجبناء، قال المتنبي.أهل السخرة، في زمن القياصرة. لا أكثر ولا أقل.

يا كائن كفاك وكفانا. حاول ان تشرّف نفسك بانتخاب مَن يشرّف بلدك. حاول الافلات من أسر الضحالة والتهريج. حاول. اقرأ جيداً لوحات الطرق ودروب المستقبل. ماذا تنتظر بعد كي تعرف معنى الحرية. الحر يقترع للحرية وللأحرار. دع العضاريط يلتهون ببطونهم، ويلتهمون ما بقي من عظامك.