الرئيسية / home slide / لا “رَجل العام” في لبنان

لا “رَجل العام” في لبنان

21-12-2021 | 00:20 المصدر: “النهار”

جهاد الزين

الاحتفال بالميلاد في بيروت (نبيل إسماعيل).

أَسْتعرضُ العام 2021 سياسياً في #لبنان فلا أرى أثراً ل”رجل العام” بمعنى التميّز أو الإنجاز. خواء الحياة السياسية هو طبعاً جزء من الانهيار . الانسداد السياسي أمام أي منفذٍ خلاصيٍّ أو بدءِ خلاصيٍّ يجعلنا نستشعر بؤسَ المرحلة المتداخل مع تفاهتها كما لو أنها “نهاية” لبنان. أعجبتني جملة على التلفزيون قالها الدكتور توفيق الهندي: “ليس للجحيم طابق سفلي” بمعنى أن الانهيار لا يقف عند حد.

نحن إذن نتدلّى متمرجحين في الهاوية المفتوحة. أما التعبير الطريف عن الوضع فهو قول الزميل ميلان عبيد أن اللبنانيين أصبحوا مهمومين الى درجة أن “ابن ال 17 سنة صار يكتب مذكراته”.

المسألة هي أننا جزء من انهيار مجموعة دول ومجتمعات تحيط بنا. ولذلك هي مشكلة أكبر منا ، انهيار أكبر منا وفي وسطه المعضلة الدائمة فلسطين . “وتنكسر البلادُ على أصابعنا كفخّارِ” يقول محمود درويش للفلسطينيين وعنهم في قصيدة مغادرة لبنان “مديح الظل العالي”. ولئن كانت فلسطين دائما حاضرة في التيه العربي المعاصر، فإن التيه اللبناني يبدو اليوم مرتبطا بما قد يكون الخسارة الأفدح بعد فلسطين وهوالزلزال السوري.

يكشف الانهيار هشاشة الدولة اللبنانية كإطار لداخل لا يسقط ولكنْ يهترئ. ولهذا تلازمني فكرة أنه لا رجال أو نساء في البلاد اليوم لكي نختار أحدهم أو إحداهن “رجل” العام. أعني أن الجميع مهاجرون بسيكولوجياً. ليسوا هنا. هُمْ وكفاءاتُهم وكفاءاتُهنّ الموجودة بل الزاخرة التي هي إما معطَّلة وإما مُستغرِبة: الاشتقاق من غربة وغرب معا… “ليعود لبنان منارة العرب” كما قال مشكوراً الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي .

تخيّلوا لبنان بلا سكان. الكل مهاجرون. مما يعني أنه علينا أن نبحث من الآن فصاعداً عن ذواتنا السياسية في الدياسبورا. الدياسبورا في نظر بعض اللبنانيين المحبَطين لا تشاركنا مأساتنا كما ينبغي. لستُ من وجهة النظر هذه بل أعترض عليها لأن الدور السياسي للدياسبورا في إنقاذ لبنان لا يتحدّد في الظروف الحالية من انهيارات المنطقة بقدراتها وحدها بل بتبلور موازين قوى وانفتاح آفاق ربما نحن في خضمها وسيدركها لاحقا جيلٌ مختلف عن جيلنا المهزوم.

إذن ليس العارض في عدم الرغبة بالتفاؤل، وأعني السياسي دائما، بل في عدم القدرة على التفاؤل.

عليّ في هذه العجالة الجحيميّة أن أعتذر من جميع اللبنانيين الذين يقاتلون في مواقعهم المختلفة في الجامعات والمدارس والمستشفيات والمؤسسات الثقافية والفنية والاجتماعية والاقتصادية في لبنان وخارج لبنان بسبب هذه الرؤية السوداويّة وهم الذين بفضلهم لا زال لبنان يحتفظ ببعض معنى تميزِّه الطليعي والذين يبدون اليوم أشبه ب”مقاتلين” بالسلاح الأبيض في محيط يمتلئ بأصوات القذائف.

لكننا أصبحنا بلد هجرة جماعية نفسية على رجال ونساء سيفرضون حضورهم في أعوام آتية أن يساهموا في إعادة المقيم – المهاجر إلى الشعور بصلابة الأرض الجميلة التي يقف عليها.
لهذا هنا أجد مناسباً استعادة بعض الأفكار التي حكمَت تفكيري السياسي خلال العام المنصرم. لاسيما ثلاثاً منها.

1- استعصاء البنية الحالية للنظام السياسي اللبناني على إمكانية التغيير، ولذلك قد يكون علينا انتظار زلازل جديدة. ومن هنا أيضا يغيب”رجل العام” اللبناني.

2- نحن ننتمي إلى منطقة مهزومة حضاريا وقبل تسليم أو اكتمال تسليم نخبها بالواقع العميق لهذا الانهزام ومتطلباته السياسية لن يكون ممكنا التفاؤل بالتغيير. تظهر في الحقيقة مؤشرات محبِطة فتأتينا أفغانستان النصف الثاني من العام الراحل بعودة مظفّرة إلى الوراء مع سيطرة حركة “طالبان” على السلطة في كابول.

3- الإسلام السياسي الأصولي يتراجع ويُظهر عجزا متماديا في مهام بناء الدولة فيما تبتعد أجزاء متزايدة من النخب العربية عنه وتُظهِر مجتمعات المنطقة تفهّماً أكبر لضرورات هذا الابتعاد.

j.elzein@hotmail.com
Twitter: @ j_elzein