لا تزال السعودية تحت الاختبار أميركياً!


سركيس نعوم
النهار
02022018

نشرت الصحافة الجزائرية قبل مدة، استناداً الى باحث آسيوي جدّي ومتابع، تقارير مفصّلة عن نشر المملكة العربية السعودية في الخارج العربي والاسلامي نوعاً من الاسلام المحافظ المتطرّف أو المتشدِّد، والمعادي للتعدّدية والمروّج للتفوّق ولكن بأسلوب هادئ وغير سياسي. وأشارت الى أن ذلك أثار ويثير أسئلة عن مدى التزام ولي العهد الامير محمد بن سلمان “الاسلام المعتدل” كما سمّاه. وأكّدت أن البعثات الدعوية والتبشيرية السعودية في اليمن تقوم بالعمل ذاته. ويبرّر الناشطون ما يقومون به بالحاجة الى الوقوف في وجه الاندفاع الاسلامي الشيعي الذي تقوم به الجمهورية الاسلامية، معتبرينه الدواء أو “الترياق” الذي يعطّله. لكن هذه الحملات التي لم تقتصر على الجزائر واليمن ساهمت في رفع نسبة المحافظة المتشدّدة على نحو كبير وعدم التسامح في المجتمعات الاسلامية، كما أنها في حالات معينة غذّت المذهبية، ويجب أن لا يدفع ذلك كله الى الشك في تصميم المملكة على محاربة العنف الراديكالي والتطرّف وعلى التصدي للتعبير السياسي عن الاسلام وإن غير العنفي.

ويعطي الباحث نفسه مثلاً على المنشور أعلاه، النشاط الدعوي الاسلامي في أوروبا الغربية. فالمسجد الكبير والمركز الاسلامي في بروكسل كان بإدارة سعوديين وآخرين منتمين الى الاسلام المحافظ المتطرّف أو المتشدد. أثار ذلك تذمّراً في مجلس النواب البلجيكي، فتحرّكت الحكومة وقدمت الى المملكة مبادرة تقضي بإنهاء عقد إيجار المسجد والمركز الذي كانت مدته 99 سنة وبتسليمه اليها كي تتولى إدارته على نحو مباشر.

انطلاقاً من ذلك يمكن القول أن ولي العهد بن سلمان كوّن لدى الكثيرين توقعات بتأسيس ليبرالية اجتماعية كبيرة عندما تعهّد إعادة العربية السعودية الى “اسلام معتدل” لم يحدده في حينه، ولا يزال من دون تحديد حتى الآن. ورغم رفعه الحظر عن نشاطات اجتماعية عدة معروفة، لا يزال عليه أن يُظهر إذا كان قلّص التمويل المزمن للنشاطات الثقافية والتعليمية والتربوية البالغة التشدّد والتطرّف في الخارج. علماً أن هناك إشارات إيجابية يجب عدم تجاهلها، من أبرزها تحوّل “رابطة العالم الاسلامي” الى “مظلّة شاملة للشعب الاسلامي الذي يشجّع مبادئ وقيم السلام والمسامحة والتعايش والتعاون الانساني. ولدى الكثيرين في العالم الاسلامي بعض الشكوك حيال هذا الأمر ولا سيما في الجزائر، حيث نشرت إحدى الوسائل الاعلامية الآتي: “بينما تروّج المملكة صورة بلاد تعمل للتخلّص من متعصّبيها فإنها ترسل الى دول أخرى أقصى العقائد راديكالية”.

هل تستطيع السعودية “القطع” مع الاسلام المحافظ المتشدّد أو المُتطرّف؟ يتساءل باحثون آخرون آسيويون وغربيون اذا كانت تحركات ولي العهد بن سلمان وضعت نهاية لقاعدة الشورى داخل العائلة الحاكمة، وأجبرت المؤسسة الدينية المحافظة والمتشدّدة على الموافقة عليها ودعمها، ولكن من أجل هدف وحيد هو “البقاء” والاحتفاظ ببعض النفوذ. ويرجّحون أن يكون بممارسته حكم الرجل الواحد في المملكة يحاول أن يجعل صورته أمام شعبه مرتكزة على أمرين سلطته وصورته كإصلاحي وليس كرمز للتشدّد الديني. لكنهم يلفتون الى أنه يمشي على أرض هشّة لأن شعبيته تستند الى توقعات ووعود حتى الآن على الأقل أكثر من استنادها الى إنجازات. وما أنجزه حتى الآن على الصعيد الاجتماعي من إصلاحات يوحي أنه قد يكون مستعداً للذهاب أكثر من تدوير زوايا الاسلام المحافظ المتشدّد أو المتطرّف، وذلك من أجل تكوين مرتكزات صلبة لملكية مطلقة قادرة على إنجاز إصلاحات اقتصادية وتكنولوجية تجعل بلاده مواكبة فعلياً للقرن الواحد والعشرين. وليس عند هؤلاء أي شك في أن الهدف الفعلي لإصلاحات وليّ العهد الاجتماعية والايديولوجية ترمي الى محاربة العنف السياسي، لكن عليه مواجهة التشدّد الاسلامي بنجاح، ويحتاج الى عمل وليس فقط الى كلام. ذلك أن الفشل “يفرّخ” عدم تسامح ويعزّز معاداة التنوّع والتعدّد ويجعل الأرض خصبة للراديكالية. في أي حال يبدو أن أميركا، واستناداً الى الباحثين أنفسهم، ستضع العربية السعودية في موضوع التخلّص من الاسلام المتشدّد والمتطرّف تحت الاختبار قريباً. فالكونغرس يعدّ مسودة قانون تطلب من وزير الخارجية تقديم تقارير سنوية عن مدى تنفيذ المملكة ما وعدت به، وخصوصاً على صعيد إلغاء المحتوى الداعي الى عدم التسامح الديني الموجود في المواد التربوية. والكتب التعليمية، ولا شك في أن ذلك سيزيد الضغط على المملكة وولي عهدها.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*