الرئيسية / home slide / لا تدويل، لا اعتراف، لا تقسيم: هَزُلَت

لا تدويل، لا اعتراف، لا تقسيم: هَزُلَت

06-08-2022 | 00:00 المصدر: “النهار”

سمير قسطنطين

سمير قسطنطين

أرشيفية (مارك فياض).

الذين عاشوا الحرب ال#لبنانيّة سمعوا عباراتِ كليشّيه معيّنة آلاف المرّات، ومنها: “لا للتقسيم”، “لا اعتراف بإسرائيل”، “ما أُخِذ بالقوّة لا يُستردّ إلّا بالقوّة”، ” لا للتدويل”، و”نعم للتعريب”. إستُهلِكَت هذه العبارات المِسِخ وصارت مثل اللازمة في الأناشيد. مُذ ذاك الوقت مرّت عقودٌ والخُطاب السياسيُّ هو نفسُه. تغيّرت عباراتٌ لكنّ المضامين بقيَت هي هي. كُنّا نقول: “لا للتدويل”. الآن بتنا نرفض دعوةَ لبنانيّين إلى عقد مؤتمرٍ دوليٍّ حول لبنان، ونخوّنهم. كُنّا نقول: “لا للتقسيم”. الآن بات لبنانيّون يخوّنون لبنانيّين آخرين إن طالبوا بالفدراليّة أو حتّى بلامركزيّة موسّعة يلحظُها الدستور. الخطاب السياسي لم يتغيّر. تغيّر الشكل فيما بقي المضمونُ واحداً.

أعود إلى العبارات وأسأل: ماذا يعني “لا للتدويل” في بلدٍ يعلم الكلُّ حجم التعاطي الأميركي والفرنسي والإيراني والسعودي فيه؟ ما معنى هكذا كلام حين يجمع رئيسُ فرنسا زعماء لبنان في قصر الصنوبر ويتوجّه إليهم بعباراتٍ قاسية؟ ماذا يعني أن يعتبر مسؤولون إيرانيّون أنّهم يقاتلون إسرائيل من خلال جبهة جنوب لبنان؟ وماذا تعني حركة السفراء المكّوكيّة على السياسيّين اللبنانيّين إلّا تدويلاً للأزمة اللبنانيّة؟

أمّا عن التقسيم فحدّث ولا حرج. ماذا يعني أن تكون لبنانيّاً غير مُرحّبٍ بكَ في هذه المنطقة أو تلك؟ فإذا أردتَ شرب الكحول هنا، تشعر بأنّك غيرُ مرغوبٍ فيك. وإذا أردتَ أن تشتري قطعة أرض في منطقةٍ غالبيّةُ سكّانها لا تشبه مذهبك، فأنتَ غير مُرحّبٍ بك. وفي أحسن الأحوال، يمكنكَ أن تسكن لكن لا يمكنكَ أن تعبّر عن رأيكَ السياسي براحةٍ. أليس هذا تقسيماً؟ وإذا لم يكن هذا تقسيماً، فماذا عساه يكون؟

وبالنسبة للاعتراف بإسرائيل أسأل: عندما نُفاوض دولةً كُنّا حتّى الأمس القريب نُسمّيها “فلسطين المحتلّة”، ألا يكون هذا اعترافاً بإسرائيل كدولة؟ عندما نكون حريصين على الاعتراف بأنّ لإسرائيل حقّاً في مساحةٍ بحريّةٍ معيّنة، أليس هذا اعترافاً بحدودِها البحريّة مع لبنان على الأقل؟

بالمناسبة، أنا لا يزعجُني تدويل الأزمة اللبنانيّة ولا مفاوضات الناقورة إذا أنتجَا خيراً للبنان وحلّاً لمشكلاتِنا المستعصية. كُلُّ ما أريد الإشارة إليه أمران: الأوّل ضرورة وقف التكاذب. نحن قسّمنا لبنان وأشبعناه تقسيماً. ونحن دوّلْنا أزمتَنا لكن بأسوأ طريقة تدويل ممكنة. ونحن اعترفنا بإسرائيل شئنا أم أبينا. كان من الممكن الاحتكام إلى الأمم المتّحدة والقوانين الدوليّة بدلاً عن ذلك.

الأمر الثاني هو حتميّة اللقاء بين اللبنانيّين. ما زلتُ أعوّل ولو بحذر على مجلس النوّاب للقيام بدورٍ توعوي نقاشي واسع المدى تحت قبّة البرلمان. الحركات الصبيانيّة في المجلس لا تليق. لكنّي ما زلتُ مؤمناً بأنّ للمجلس دوراً جامعاً، وأنّ في المجلس فرصةَ مساحةٍ للقاء. الهدف؟ ليس التشريع. التشريع ليس مُهمّاً في بلدٍ قوانينُه جيّدة لكنّ حكومتَه لا تُطبّقها. الهدف هو إجراءُ نقاشٍ في العمق حول كلّ هذه الأمور. ليس مهمّاً إذا أتت الدعوة من هذه الجهة أو تلك. وليس ضروريّاً أن تفتّش الجهات السياسيّة عن مكاسبَ لها. البلد انتهى ولا مكاسب تُرتَجى. ليصارحْ المجلسُ الناس فيوقف التكاذب بين سلطة منقسمةٍ ومعارضة غير موحَّدة، ويعطي فرصة لحوار منتجٍ، وأملاً بأنّ البلد قادرٌ على حلّ مشاكلِه أو على الأقل على إدارتها.