الرئيسية / أبحاث / لا أحد ينام في مدينة المنامة: كاوبوي وأصوليون وهنود مومباي

لا أحد ينام في مدينة المنامة: كاوبوي وأصوليون وهنود مومباي

 محمد تركي الربيعو 
https://www.alquds.co.uk/
28032020

على امتداد عقود، وربما إلى يومنا هذا، بقي قسم كبير من المثقفن العرب لا ينظرون لتواريخ مدن الخليج العربي سوى نظرة ازدرائية ونرجسية، فمدن الملح هذه، التي استعاروها من الروائي الراحل عبد الرحمن منيف، مدنٌ حديثةٌ في نظرهم، ولم تكن سوى صحراء قاحلة، تقطنها قبائل مرتحلة، قبل أن يأتي النفط ليساهم في ظهورها.
ورغم أنّه لا يمكن نفي دور النفط في إحداث تحوّلات كبيرة في تواريخ هذه المدن، غير أن هذه النظرة النمطية، لم تعد قادرة على المضي قدماً في مخيالها الفقير، أمام كمّ الكتب والدراسات التاريخية عن تاريخ هذه المدن قبل النفط، التي أخذت تكشف لنا عن تاريخ اجتماعي وثقافي غني لهذه المدن قبل قدوم النفط، وعن امتلاكها لشبكات تواصل معقّدة مع العالم، وبالأخص مع المحيط الهندي، كما أنها أخذت تعرفنا على تاريخ ديني آخر، خلافاً للسردية الوهابية، التي عادة ما وسمت بها بعض مدن الخليج. وربما ما يلفت الاهتمام في هذه الكتب، أنها لم تُكتب من قبل باحثين غربيين وحسب، بل كان للباحث المحلي مساهمات رائدة، والأهم أنّ هذه المساهمة لم تنشغل بالتاريخ السياسي، الذي ابتلينا فيه في المشرق العربي مثلاً، بل الكثير منها بدا أقرب لفكرة تاريخ الحوليات، الذي طرحه المؤرخ الفرنسي جاك لوغوف؛ ففي هذا التاريخ، أخذنا نتعرف على تاريخ اجتماعي مغاير للصورة النمطية عن مدن نجد مثلاً (عويضة الجهني)، كما أخذنا نتعرف على طقوس غنية تتعلق بالزواج وموائد الطعام في مدن الحجاز (مي يماني).
وربما من اللافت مؤخراً، عدد المذكرات والكتب التي أخذت تتحدث عن تاريخ المشفى، في عدد من المدن السعودية، ومن بين التواريخ الممتعة التي قرأناها مؤخراً، «حكايا طواويش الكويت» لبدر المطيري، والذين كانوا يعملون في صيد اللؤلؤ، وكيف استطاعوا في فترة الثلاثينيات فرض وصياغة علاقة جديدة مع الأمراء تقوم على الندية أحياناً. لا يمكن أن ننفي هنا، أن جزءاً من ظاهرة انفجار تواريخ الخليج العربي يرتبط بشكل أو بآخر بوجود وصعود عدد من دور النشر الخليجية، واهتمامها بنشر تواريخ محلية، غير أن ذلك لا يقلل من حقيقة أن الباحثين الخليجيين، استطاعوا في السنوات الأخيرة تحقيق تراكم جدي، يُغبطون عليه، سواء على صعيد جمع المصادر أو طرق الكتابة التاريخية.


من بين الكتب الجديدة التي قد تلفت النظر في هذا الشأن، كتاب الأكاديمي البحريني نادر كاظم «لا أحد ينام في المنامة»؛ إذ استطاع في هذا الكتاب جمع تفاصيل مدهشة حول كل ما كُتِب تقريباً عن تاريخها، قبل أن يعيد تقميشها ويكشف عن تاريخ مجهول ومشوّق حول هذه المدينة، بدءاً بتطوّر عمران بيوتها، مروراً بدخول السيارات لشوارعها، وظهور الكاوبوي والهيبز، الذين أخذوا يتجولون في داخلها في الخمسينيات، قبل قدوم القوميين، ولاحقاً الإسلاميين الذين أخذوا يغيرون جلد المدينة، ولباس شبابها وقناعاتهم الدينية. ولعلّ ما يحسب للمؤلف حقيقة، أنه نجح، من خلال اهتمامه بالجزئيات والتفاصيل الصغيرة المتعلقة بيوميات الناس، أن يكشف لنا عن سيرة مدينة كوزموبوليتانية، كان تعيش فيها عشرات الجنسيات من عرب وبريطانيين وأمريكيين وهنود وباكستانيين ويهود عراقيين، يتبادلون البضائع والخبرات، ويتعرفون على ألسنة بعضهم وأذواقهم.
ولكن كيف بدأت قصة المنامة؟
يذكر ناظم أنّ أول ذكر للمدينة جاء ربما في عام 1330، عندما زار توران شاه، ملك هرمز، الجزيرة. وأمّا عن أسباب تسميتها بهذا الاسم، فإنّ هناك من يذهب إلى أنها بدأت كمكان لنوم الجيش الهرمزي، ومن هنا تلبّست هذا الدور. لاحقاً حاولت بعض المصادر المحلية القول بأنّ المنامة بقيت عبارة عن قرية صغيرة، حتى مطلع القرن العشرين. بيد أنّ مؤلّفنا، لن يوافق على هذه النتيجة. سيزوره بندكت أندرسن في منامه ربما ليعلمه أنه قد ذكر في كتابه «الجماعات المتخيلة»، أنّ رسومات الخرائط الاستعمارية قد تكون ذات مصدر مهم في رحلته للكشف عن تاريخ آخر لهذه المدينة، فهذه الخرائط، قد رُسِمت في الغالب بشكل دقيق لخدمة مشاريع الإمبراطورية الاستعمارية.

يذكر ناظم أنّ أول ذكر للمدينة جاء ربما في عام 1330، عندما زار توران شاه، ملك هرمز، الجزيرة. وأمّا عن أسباب تسميتها بهذا الاسم، فإنّ هناك من يذهب إلى أنها بدأت كمكان لنوم الجيش الهرمزي، ومن هنا تلبّست هذا الدور.

سيأخذ المؤلف بنصيحة الشيخ أندرسن، إذ سينطلق من أعين المسّاحين ورسامي الخرائط البريطانيين في شركة الهند الشرقية، ليتعرّف من خلالها على كيفية التطور العمراني للمدينة. ففي بداية القرن التاسع عشر، وكما تتحدث الخرائط، كانت المدينة عبارة عن مجموعة مبان، تمتدّ عرضياً بمحاذاة الساحل على طول الجانب الشرقي من الجزيرة، وبيوتها عبارة عن أكواخ من القصب، كما تظهر قلعة المنامة في الجنوب، بعد أن ابتعدت قليلا ًعن المباني الموجودة، لكن في خريطة أخرى سيقفز عمران المنامة قفزة كبيرة في عام 1914، إذ نجد أمامنا مدينة تجارية ساحلية مكتملة الأركان، كما نعثر على وجود أكثر وضوحاً لسوق يقع في مركزها، ومقهى وميناء للمنامة، ومباني للجمارك ومخازنها، ودار الاعتماد البريطاني، والرصيف البحري الخاص بها، مع مسجد يقع خلفها من ناحية الجنوب، ومستشفى فيكتوريا التذكاري، كما تظهر الإرسالية الأمريكية، ومقبرة للأجانب، وبرج لكنيسة، وربما من الأمور اللافتة للنظر كذلك وجود محجر صحي يقع على البحر مباشرة.

ولكن ما الذي جعلها تتطور خلال هذه الفترة؟

يبدو أنّ التطورات السياسية، لعبت دوراً في هذا السياق، إذ أدّى افتتاح قناة السويس، بما ترمز إليه من تنامي التجارة الأوروبية في الشرق، إلى تدخّل بريطانيا ربما لوضع حد للاضطرابات، التي عصفت بالمنامة، ما حوّلها إلى مدينة تجارية مع الهند. وقد أخذت هذه التجارة تزداد، كما نكتشف من خلال الجداول والإحصائيات المهمّة التي جمعها المؤلف، إنّ قيمة حجم الصادرات كانت أعلى من قيمة الواردات، وإنّ أهالي المدينة كانوا يستوردون مثلاً النحاس والثياب والسيوف والساعات والقهوة وكثيرا من الأشياء التي يستعملونها في الطبخ وحياتهم اليومية، بينما كانوا يصدّرون اللؤلؤ (غالي الثمن آنذاك) والخيول والتمور. والأهم ربما، أنّ هذا التطور الاقتصادي أدّى إلى نمو المدينة، وقدوم تجار من الهند، بالإضافة إلى وجود إرساليات أجنبية، ما خلق حالة من التسامح بين أهلها، تنعكس في عدم الاهتمام بالأصول، ولذلك كانت المدينة تعجّ بجنسيات وأديان مختلفة، من مسلمين وهندوس ويهود، وهو ما تؤكده كذلك مقبرة المسيحيين القديمة، التي كانت تحتوي على رفاة لـ25 جنسية من أوروبا وأمريكا والهند وجنوب افريقيا.

سيارات في شوارع المدينة

في بدايات العقد الثاني من القرن العشرين، أخذت بلدية المدينة تقوم بدور أساسي في إعادة صياغة وهندسة المكان، كان هدفها آنذاك كما يذكر ناظم، وضع مخططات تتناسب مع نمو سوق المدينة، وازدهار التجارة فيها وصورتها، والاهتمام أيضاً بصحة أهلها، ولذلك ردمت المستنقعات ضمن حملة مكافحة الملاريا، وأزيلت أكوام القمامة، واستملكت الطرق والممرات الضيقة، بما يسمح بمرور السيارات داخل السوق، وفرض حدود لسرعتها، كما فرضت شروطاً للبناء وتصميم الأبنية، فعلى سبيل المثال أعلنت البلدية أنّه لا يجوز إخراج جدار البيت على الشارع، ولا يجوز البناء على أساس قديم، كما منعت بناء البلاكين أو الدكاكين في مواجهة هذه المنازل إلّا بإذنها. ومن بين الأمور اللافتة للنظر التي يذكرها المؤلف، أنّ عمل البلدية شمل أيضاً حي جراندول، وهو حي كانت تتجمع فيه كل العاهرات، إذ قاموا بتسجيلهن وإلزامهن بفحص طبي للاطمئنان على سلامة العاملات فيه من الأمراض التناسلية. وربما سياسات البلدية هذه، التي كانت تخضع لقرار السلطات الاستعمارية البريطانية، يذكّر بمشهد فرض الفرنسيين لسياسات صحية مشابهة خلال الفترة ذاتها على بيوتات الدعارة في بيروت ومدينة حلب (داخل حي بحسيتا).
ورغم الإجراءات العمرانية السابقة، بقيت المنامة محافظة على شكلها الأولي، لكن مع مرحلة الأربعينيات واكتشاف النفط، أخذت المدينة تتطور عمرانياً، ما أدّى إلى تغيّر وجوه المدينة، فالطبقة الميسورة، وفي ظل هذه التغيرات قرّرت الرحيل عنها إلى ضواحيها، كما أخذت تتمايز في بيوتها عن بيوت الآخرين؛ منازل مبنية من الآجر والحجارة، وتحتوي على بالكونات وشرفات، ونوافذها لها شعريات شبكية. بينما بقيت الأحياء القديمة للصيادين والعمال.

مدينة الكاوبوي والهيبز

في الأربعينيات، كان البريطانيون والأمريكيون يتدفّقون بشكل أكبر إليها للعمل في شركة نفط البحرين (بابكو)، وفي ظل وجودهم هذا، بدأت مناقشات حول إنشاء دور للسينما لترفيه موظفي الشركة في أوقات فراغهم، وقد منحت الحكومة الإذن بإنشاء هذه السينما في إبريل/نيسان عام 1935 بشرط أن يكون روّداها من الأجانب فقط.
بيد أنّ قرار المنع هذا لن يطول، فبعد ذلك بعقد أو أكثر قليلاً سيزور المدينة إنكليزي اسمه رودريك أون، قادم من الكويت. وقد تمكّن أن ينقل لنا في يومياته التأثيرات التي أحدثتها شركة بابكو على أذواق شباب المدينة؛ إذ يذكر عثوره على شباب يرتدون قمصان التران المقلّمة، وبناطيل الجينز الزرقاء، وجوارب متعددة الألوان «كانوا يشبهون رعاة البقر في مدينة تكساس». أخذت المدينة، وفق ما شاهده، تتحوّل إلى مدينة لليل، فالجميع خلال النهار في حركة دائمة بين السوق والميناء والوظيفة، وفي الليل ينفلت الصخب من عقاله مع بريق السينما، الذي كان يتلألأ كل ليلة بصخب مجلجل. دفعت هذه المشاهدُ مجلةَ «النهضة» الكويتية إلى فتح ملف كامل عن هيبز البحرين في المنامة، وكان غلاف العدد عبارة عن صورة لبعض هؤلاء الهيبز مع عنوان ينطوي على الكثير من الجرأة والتحرّر والتمرد «هيبز البحرين عندما يتمرّدون».

مع قدم الثورة الإسلامية في إيران، أخذ المشهد يتغير من جديد. بدأ الميني جوب يتلاشى مفسحاً المجال أمام تسيد الحجاب والعباءة السوداء الحديثة، وبدأ شعر الخنافس والجاكسون وسالف الشعر الطويل في الانحسار.

الأرض بتتكلم عربي أم هندي

في منتصف الخمسينيات والستينيات سيتغيّر المشهد مرة أخرى، سيروي لنا الروائي السعودي الراحل غازي القصيبي في روايته «شقّة الحرية»، التي غابت ربما عن منامات المؤلف، وهو يتحدث عن هذه الفترة، ربما لكون أحداث الرواية تدور في القاهرة. عن رحلة شبان من المنامة إلى قاهرة عبد الناصر في منتصف الخمسينيات. كان الطلاب قبل سفرهم قد تلقّوا صورا من جمال عبد الناصر؟ صحيح أنّ التوقيع كان مجرد ختم، ولكنه يحمل توقيعه. كانوا قد اعتادوا على رفع هذه الصور لإزعاج مدرّسهم الاستعماري البريطاني مستر هيدلي. سافر العشرات من أبناء المنامة إلى أمّ الدنيا، وآخرون أخذوا يسمعون عنها من أساتذتهم المصريين، أو شكّلوا صورة وردية عنها من خلال الأفلام؛ عند وصولهم للقاهرة بدا لهم شارع شبرا أكبر من «ديرتهم»، لكن هؤلاء الشباب، الذين فاجأهم سائق التاكسي في اليوم الأول لوصولهم بسؤاله: «ألف مرحبا. إنما لا مؤاخذة يعني البحرين تجي فين» سيعودون إلى مدينتهم لينقلوا لها ما سمعوه وهاموا به من أفكار حول الناصرية والبعث، في المقابل أخذ الطلاب ينشطون من خلال هيئة الاتحاد الوطني، التي مثّلت ذراع العروبيين آنذاك. كانت مدينة المحرق قد بدت في البداية «وكراً» للقوميين (والتعبير هنا لهاني الفكيكي) قبل أن يتحوّل النشاط إلى المنامة.
في هذه الأثناء كذلك، كانت الحرب العالمية الثانية قد انتهت قبل عشر سنوات، وقد فرضت على بريطانيا التراجع عن البحار والبقاء بشكل رمزي في بعض مناطق نفوذها، ولذلك بدا أنّ موقف حكام المنامة يميل إلى ثورة التعريب، التي أُطلِقت للنيل من الاستعمار واستعادة الهوية، ولذلك أخذت المدينة تشهد هوساً متصاعداً، كما يقول ناظم، بتعريب كل شيء، من أسماء الشوارع الإنكليزية والميادين، وحتى المراسلات الرسمية؛ فقامت بلدية المنامة بتغيير اسم شارع بارك إلى شارع قاسم المهزع، ووصل الأمر إلى حد تغيير نظام السير بعكس نظام السير في شوارع إنكلترا. لكن هذه التطورات ستنعكس لاحقاً على شكل المدينة، إذ أدّت سياسات التعريب، هذه كما يرى المؤلف إلى انبعاث المنامة كمدينة للعرب، بعد أن كانت مدينة كوزموبوليتانية. أخذ جلد المنامة يتبدّل، كان عصر اللؤلؤ المتعدد اللغات والإثنيات والأديان قد ولّى وحل محله عصر الهويات.

مدينة الإسلام السياسي

مع قدم الثورة الإسلامية في إيران، أخذ المشهد يتغير من جديد. بدأ الميني جوب يتلاشى مفسحاً المجال أمام تسيد الحجاب والعباءة السوداء الحديثة، وبدأ شعر الخنافس والجاكسون وسالف الشعر الطويل في الانحسار. هكذا تحوّلت مدينة الهيبز والقوميين العرب إلى مركز للإسلام الشيعي الحركي، في موازاة ذلك، كانت ثمة هجرات جديدة تجري خارجها وتجاه الضواحي المحيطة بها. وخلافاً للمعتاد من هجرة الريف إلى المدينة، كانت المنامة تشهد هجرة معاكسة من المدينة إلى خارجها إلى الضواحي والمدن الجديدة، ما أدى إلى فراغها ممن تبقى من عائلاتها التجارية والتاريخية. في هذا الوقت الذي كان الأهالي ينزحون فيه، راحت المدينة النفطية تكتظ بأعداد غفيرة من الجاليات الآسيوية الهنود، والبنغلاديشيين، والباكستانيين، والتايلانديين والفلبينيين، من ذوي الأعمال الوسطى والدنيا، حتى صارت المنامة لزائرها في عطل نهاية الأسبوع وكأنها قد تحوّلت إلى مومباي أو هند صغيرة.
وهكذا أخذت ثلاث قوى تتنافس عليها؛ قوة الحضور الشيعي الكبير، الذي حوّل وسط المدينة إلى نقطة تجمع مركزية في المناسبات الدينية، وعلى الطرف الآخر نعثر على قوة الحضور الآسيوي الهائل في كل وقت وفي كل مكان تقريباً، وأخيراً قوة الحضور السياحي الآخذ في التوسّع في منطقة باب البحرين وسوق المنامة القديم، ويأتي مشروع هيئة البحرين للثقافة والآثار حول «المهن الصغيرة في البحرين» وكأنّه محاولة لدمج القوتين الأخيرتين معاً في موازاة قوة الحضور الشيعي.. فمتى يمكن لأهل المنامة الاستراحة والنوم، والصراع على مدينتهم مشتعل؟

٭ كاتب من سوريا

اضف رد