الرئيسية / home slide / كيف كان زكي ناصيف يرتجل ردّيّاته ويؤدّيها في الجلسات الخاصة؟

كيف كان زكي ناصيف يرتجل ردّيّاته ويؤدّيها في الجلسات الخاصة؟

06-06-2022 | 00:00 المصدر: “النهار”

زكي ناصيف.

أكرم الريس

نتطرق في هذه المقالة الى حيز من حياة الملحن والمغني الرائد #زكي ناصيف (1916- 2004) بقي من الهوامش غير المعروفة وضمن دوائر ضيقة، ولا سيّما ردّيّاته التي كان يرتجلها ويؤديها في الجلسات الخاصة.

يُخبرنا مهندس الصوت فريد أبو الخير (1927- 2001) في أحد برامجه الاذاعية عن لقائه بزكي ناصيف: “في بداية الخمسينات انتقلنا للسكن في عين الرمانة التي كانت لا تزال تغمرها بساتين الليمون. كانت الحركة العمرانية حينها في بدايتها حيث كانت تقام البيوت مكان الشجر. في تلك الفترة كان أول لقاء مع زكي ناصيف عندما زرته في بيته بعدما عرفني اليه صديق مشترك. أخبرته عن اهتمامي بالموسيقى الكلاسيكة وعن آلة كنت قد صنعتها بنفسي لتسجيل الاسطوانات ودعوته لزيارتنا في المنزل حيث أملك أيضا بيانو، فقبل الدعوة وما لبثت ان بدأت صداقة طويلة كانت انطلاقتها عام 1952 بعد سهرات عدة في منزلنا. وقد استعددت ملياً للسهرة الثانية حين حضّرت معدات التسجيل والمياكروفون الذي صنعته بنفسي وقمت بتسجيل اسطوانة لبعض الاغاني التي أداها زكي في تلك السهرة وهي مجموعة من الاغاني الاسبانية، والفرنسية، والعربية، والروسية. وهذه كانت تجربتي الاولى في التسجيل الموسيقي المباشر. خلال فترة قصيرة دعاني الاستاذ زكي للذهاب معه الى كوليج دو لا سال حيث تم تجهيز احدى الصالات لتصبح ستوديوا، وعرّفني الى صبري الشريف والاخوين رحباني وفنانين آخرين”.

احتفظ أبو الخير بالعديد من التسجيلات النادرة لزكي ناصيف، ومنها تسجيلات مجالس زكي ناصيف وتتميز بروح النكتة التي كان يضفيها. وكان زكي يعدّل في كلمات أغانيه من وحي أجواء السهرة. نورد على سبيل المثل هذا المقطع من أغنية “يا لالا عيني يا لالالا” وقد حوّر زكي في كلماتها وغنّاها يرافقة البيانو على وقع ضحكات الحاضرين لتصبح حوارا ساخرا بين إمرأة ورجل يحاول التقرب إليها ولا ينجح:

“الرجل: يا لالا ولالا ومية لالا
يابا ريت زنودك حلالا
المرأة: قالوا زنودي ما بيلبقولك
يابا سكر بلا رزالا”

تضيف السيدة دلال ناصيف، ابنة أخي الفنان زكي ناصيف، أنه كان منذ صباه “عشراوياً ومحاطا بأصدقائه وهم في الاخص نظام ناصيف، وإميل والبر رفول، وسليمان ابو عراج، وحليم بارود، وآخرون، حيث أقاموا السهرات في الخيمة على سطح منزل العائلة في صيفيات مشغرة”. كانت يتخلل هذه السهرات الدبكة والغناء يرافقهم زكي على العود، كما كانت تدور حلقات النكات المرحة و”تركيب المقلة” متأثرين بعفوية حياة أهل الضيعة. انطبعت هذه التلقائية وسرعة البديهة عند زكي ناصيف وأصبحت النكتة والردّيّة كالعديد من أهل مشغرة ترافقانه في مجالسه. وكان مرهف الحس ويعبّر عبر الرديات عن مشاعره تجاه المواقف والاحداث التي يمر بها بشكل فكاهي، أكانت في اطار عائلي او حزبي، او مع اصدقائه وزملائه، او حتى في مجاملة سيدة جميلة.

كانت ندى، ابنة أخي زكي، خلال طفولتها لا تتوقف عن الاكل، ولا تتوانى عن الدفاع عن نفسها عندما يحاول أهلها ثنيها عن الاكثار من تناول الطعام بالقول: “كيف انتوا بتشبعوا؟”. فما كان من زكي الا ان قال لها هذه الردية محاولا بطرافة اقناعها بمضار ذلك الاكثار:

“ندى يا ندى مثلك ما حدا
بتضلي عالترويقة لبعد الغدا”.

يُعّبر زكي عن إستيائه من اقطاع المياه خلال الحرب الاهلية في لبنان قائلا:

“ما تقولوا نحنا جيران أهلية بمحلية
وين الضمير الانسان والنخوة اللبنانية
كيف بدو يعمر لبنان ونحنا بهالانانية
واحد محروم وعطشان وجاروا بالع كل المي
عالقليلي قولو خطي حسوا بهالجيران شوي”

يروي المربي والاديب أنيس أبو رافع (1929-2018) أن زكي ناصيف خلال سنوات السجن مع رفاقه من الحزب القومي السوري الاجتماعي عام 1951، كوّن العديد من الصداقات مع رجال الدرك المشرفين على السجن. فارس نادر كان أحدهم وهو من ضيعة زان البترون. يتابع أبو رافع: “كنت في إحدى جلساتي اللاحقة مع زكي ناصيف في مقهى لاروندا قد اخبرته عن فارس نادر ومساعدته لي سراً خلال الايام الصعبة في السجن، والذي استمرت صداقتي معه حتى بعد خروجنا من السجن. وقد زرته في ضيعته لحضور حفلة زجلية لخليل روكز أقامها والده في منزل العائلة. وكان زكي يستمع بإنتباه، فصمت لبرهة قصيرة ليقول لي ان “فارس نادر يستاهل ردة شعر”:

“أنيس إجى لعندي وكان ملبّك ومعنى
وقللي إنو الافندي كان منا أكثر منا”

يضيف أبو رافع أن زكي كان كلما التقى به ذكّره بصديقه فارس نادر وظروف السجن ضاحكاً بقوله “كان منا اكثر منا”.

تربط السيدة دلال بين هذه الرديات والمواويل التي كتبها لاحقا زكي ناصيف، معتبرةً انها إمتداد لتلقائيته، واحساسه المرهف في المواقف المرحة والحزينة، كما في هذه الابيات من العتابا من عروض فرقة كركلا للرقص، رغم أن المنحى الساخر لم يمتد عموماً الى أغانيه بل اقتصر على يومياته:

“خفيف الروح ضمن القلب بيحل
وعأكل هموم بين الناس بيحل
وثقيل الظل خرجوا يروح ويحل
قبل ما يغضبوا عليه الشباب”

أو:

“حملنا جور سلطتهم حملنا
وحزمنا الامر وعليهم حملنا
وقبل ما ديبهم اكل حملنا
حملنا صار يهجم عالدياب”.