كيف علّق بيئيون على قرار جريصاتي؟… يوم أسود في تاريخ البيئة واعتصامات قريبة

“يوم أسود في تاريخ لبنان. الحكومة تستسلم لوحوش الكسارات وتعيد فتحها من دون أي ترخيص، وخلافاً لمرسومي الكسارات والمقالع وترتيب الأراضي. مرة أخرى تعلن حكومة لبنان أنها تعيش في خلاف جذري مع القانون. الناس مدعوون في كل مكان إلى التحرك دفاعاً عن المجتمع”.

بهذه العبارات علّقت “المفكرة القانونية” على قرار مجلس الوزراء وضع مخطط توجيهي جديد للكسارات خلال ثلاثة أشهر، أو لما أسماه وزير البيئة فادي جريصاتي ” الإدارة المتكاملة لقطاع المرامل والكسارات والمقالع”. لا يهمّ. ما يهمّ أن الرد الفعلي الأولي والسريع للهيئات المدنية والناشطة في مجال البيئة جاءت رافضة لطلب جريصاتي أولاً ولقرار مجلس الوزراء ثانياً.

ولمن لا يتذكّر، تبدو مهمة العودة إلى عام 2009، حين رسم السيناريو نفسه بعدما حاول وزير البيئة آنذاك محمد رحال التصدي للكسارات. عاد يومها الملف سريعاً إلى مجلس الوزراء ليتقاسم الحصص. بالأمس، بدا وكأن التاريخ يعيد نفسه. قبل أسبوعين، تقوم وزيرة الداخلية ريا الحسن بالإيعاز بإقفال الكسارات غير المرخصة في شكا وعين دارة . كأن الوزيرة قامت بما هو محرّم. جرأة وسرعة في التنفيذ. لكن، سريعاً، يعاد الموضوع إلى مجلس الوزراء، ليصدر القرار الشهير بوضع مخطط جديد. إنها القصة نفسها.

في شكا، المعاناة كبيرة. يسارع رئيس “لجنة كفرحزير البيئية” جورج العيناتي إلى رفض القرار والإعلان عن اتخاذ إجراءات. يكشف العيناتي لـ”النهار” أن “قرار مجلس الوزراء هو قرار فاسد. يشرّع الفساد بدل محاربته، ونحن في صدد اتخاذ إجراءات صادمة”.

ويتابع: “سننفذ، كهيئات بيئية ناشطة، اعتصاماً قريباً أمام مجلس الوزراء لإسقاط القرار أو الحكومة، لأن ما حصل هو تعد واضح على عمل المجلس الوطني للمقالع والكسارات ولصلاحياته. هذا المجلس يضم الوزارات المعنية والتي لكل منها صلاحيات واضحة، فليحترموا عمل المجلس الوطني بدل اتخاذ قرارات مماثلة، سيما أن هناك تجارب سابقة في إعطاء مهل غير شرعية من قبل مجلس الوزراء للسماح بالعمل لمقالع ومصانع الإسمنت في العهود السابقة، وهذا الأمر يعتبر مشاركة في جريمة قتل أهل الكورة وتدمير تراب لبنان”.

ويعتبر أنه “بدل وضع مخطط جديد، فليطبقوا المخطط الموجود وليحصروا العمل بالمقالع والكسارات في السلسلة الشرقية فقط، والتي تحظى بترخيص من كامل أعضاء المجلس الوطني للمقالع”.

ويختم: “ما حصل بالأمس هو تعد على كرامة الناس والدستور، وسنحاسب المتورطين بالأسماء”.

القوانين موجودة

إذاً توضّحت الصورة. جاء وزير البيئة أولاً بورقة أو بمخطط ليقول إن مسألة الكسارات والمرامل سببها نقص القوانين الناظمة ومنها المخطط التوجيهي، وبالتالي لا بد من وضع مخطط جديد، وهو بهذا التوجه يكون كمن يضيّع البوصلة، ليحاول التمويه على أصل المشكلة والتي تكمن في عدم تطبيق القوانين الموجودة أصلاً، وليس في غيابها. ويكون أيضاً قد ربح الوقت وسمح بمخالفات جديدة ترتكب خلال هذه الفترة.

ولمن لا يعلم، فإن المخطط التوجيهي هو عبارة عن خريطة للمناطق يسمح فيها المجلس الوطني للمقالع والكسارات بإعطاء رخص للاستثمار فيها، لا أكثر ولا أقلّ. هو نوع من تحديد جغرافي. إلا أن خطورة قرار جريصاتي وما تلاه من قرار لمجلس الوزراء يوحي أن المشكلة هي في المخطط، لذلك يجب تحضير نسخة جديدة منه. وهكذا يكون القرار ضرب القانون مرة جديدة وترك القطاع للمافيات، أقلّه خلال ثلاثة أشهر إضافية. أما إذا كانت المشكلة في عدم تطبيق المخطط التوجيهي للكسارات، فباشروا احترام تطبيقه أولاً بدلاً من ضياع الوقت.

ولمن لا يعلم أيضاً، فإن المراسيم الحالية كافية ووافية لوقف كل هذا الجرم البيئي، وإذا كان البعض لا يعلم، فإن كثراً من الناس والخبراء يدركون أن ثمة قوانين عديدة للبيئة، وسنسردها بالتفاصيل، لئلا تشوّه عقول الناس عن قصد.

قانون البيئة الرقم 444، والذي صدر في تموز 2002، ويحمل عنواناً حرفياً: “قانون حماية البيئة”، إلى جانب مرسوم الكسارات والمقالع. أما مرسوم ترتيب الأراضي فقد صدر عام 2009.

وفي الـ2012، مفصل قانوني مهم. المرسوم الرقم 8633 صدر في 9 آب 2012. إنه مرسوم أصول تقويم الأثر البيئي. لم يعد من مهرب قانوني. بات هناك أكثر من ضابط قانوني، لا سيما حين نعلم أن الهدف الأساسي من هذا المرسوم هو “تحديد الأصول التي ترعى تقويم الأثر البيئي للمشاريع العامة والخاصة تلافياً للنتائج البيئية المهمة المحتمل حدوثها عند إنشاء المشاريع وتشغيلها”.

الأهم الاهم من كل ذلك، أن قانون البيئة واضح في مواده، وأن مرسوم تنظيم عمل المقالع والكسارات، واضح في تحديد الغرامات والعقوبات.

المادة 25 من مرسوم تنظيم المقالع والكسارات، تقول حرفياً: “يعاقب مستثمر كل مقلع دون ترخيص أو بعد انتهاء مدة الترخيص أو بعد صدور قرار انتهاء الأشغال وإقفال المقلع، أو رغم صدور القرار بالتوقيف الموقت عن العمل بالسجن من شهرين إلى سنة وبغرامة تراوح بين خمسين مليون ومئة مليون ليرة لبنانية أو بإحدى هاتين العقوبتين، وفي حال التكرار تضاعف العقوبة ويمكن أن يتضمن قرار المحكمة سحب الترخيص موقتاً أو نهائياً ومصادرة كل المعدات أو الآليات أو بعضها ولا يحول الحكم المذكور دون حق الإدارة بمطالبة المستثمر بإعادة تأهيل المقلع على نفقته”.

والأهم أن الفقرة الثانية من المادة نفسها تقول إن “كل مخالفة أخرى لبقية أحكام هذا المرسوم أو لشروط الترخيص، يعاقب عليها بالسجن من شهر إلى ستة أشهر أو بغرامة من عشرة ملايين إلى عشرين مليون ليرة لبنانية أو بإحدى هاتين العقوبتين(…)، وفي حال مخالفة شروط الترخيص، يعاقب بالعقوبة ذاتها من يشغل كسارة خارج المقالع، دون إذن، ويمكن أن تتضمّن العقوبة مصادرة الكسارة وكل معداتها”.

أما المادة 26 من المرسوم نفسه، فتنص على أنه “كل من يمنع مراقبي الإدارة المخوّلين رسمياً وخطياً من دخول المقالع أو يعرقل عملهم، يعاقب بالسجن من شهر إلى ستة أشهر وبغرامة من خمسة ملايين إلى عشرة ملايين ليرة لبنانية أو بإحدى هاتين العقوبتين”، في وقت تحدد المادة 27 مسؤولية “ضبط المخالفات لعناصر قوى الامن الداخلي أو الشرطة البلدية أو مراقبي وزارة البيئة، على أن تودع خمس نسخ، واحدة لدى مراجعها والثانية لدى الأمانة العامة في المنطقة والثالثة لدى المحافظ والرابعة لدى المجلس الوطني والخامسة لدى وزارة البيئة”.

وبعد، ألا تزالون تحتاجون إلى قوانين للبيئة…. ؟! المحزن أن ثمة إعلاماً يرّوج لهذه البدعة، وثمة تضليلاً ينبغي أن يتوقف. اقرأوا القانون، قبل أن تعلّقوا على اقتراح جريصاتي وضع مخطط جديد. يا معالي الوزير: المشكلة في مكان آخر.

المعادلة باتت واضحة: إن حجم الاعتداءات البيئية باتت كبيرة جداً، ولئلا نواجهها بتدابير عملية تحاسب، نقفز إلى الأمام في محاولة لكسب الوقت عبر وضع مخطط جديد، بدل أن نحاسب على الإحالات غير القانونية التي كان أصدرها وزيرا الداخلية نهاد المشنوق والبيئة طارق الخطيب في أيار وحزيران الماضيين، والتي سمحت “بتمدّد جمهورية الكسارات من تنورين إلى العاقورة إلى عين دارة”.

يكفي استغباء والتفافاً، وابدأوا بالعمل الجدّي… وقبل أن نختم، نبدأ من مرسوم تنظيم المقالع والكسارات.

في المادة الثالثة من المرسوم تحديد واضح: “يخضع إنشاء واستثمار المقالع والكسارات لترخيص مسبق يصدر بقرار من المحافظ بناء على موافقة المجلس الوطني للمقالع”. والسؤال، أين هو المجلس الوطني للمقالع والكسارات من كل هذه الفوضى؟ لِم لا تسير الأمور في الإطار السليم، فترفع الطلبات إلى المجلس لتُدرس، بدل الانتقال إلى زمن نضع فيه مخططاً جديداً؟!

مرسوم المقالع والكسارات لا يخفي إشارة، بسيطة كانت أم كبيرة، هو يحتاط لكل المسائل، من استخراج الصخور من سطح الأرض أو من جوفها. كل المسائل تخضع لتنظيم وترخيص ومتابعة.

بالفعل إنه يوم أسود في تاريخ البيئة اتخذه مجلس الوزراء بالأمس…. وفيه إشارة واضحة: لا مواجهة مع مافيات الكسارات والمرامل! هذا هو النهج الذي سيتّبع…

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*