كيف ساهم الدعاة الإسلاميون في نشر التحرش بمصر؟

ياسر خليل
النهار – القاهرة
16092018


دعاة مصريون.

في الوقت الذي بات التحرش خبراً شبه يومي تتناوله وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي في مصر، تعود ذاكرة قطاع كبير من المصريين إلى ما قبل السبعينات من القرن الماضي، حيث كانت النساء يرتدين التنانير القصيرة، والأزياء ذات الطابع الغربي، ومع هذا لم تكن أجسادهن عرضة للنقاش العام، أو للانتهاك اللفظي أو المادي، ولم يكن يسمح باختراق مساحتهن الخاصة خلال سيرهن في الطرقات العامة.

وخلال الأيام القليلة الماضية ضجت وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي في مصر، بعدد من حوادث التحرش المثيرة للجدل، وأبرزها اتهامات لصحافيين بارزين، هما دندراوي الهواري، رئيس التحرير التنفيذي بجريدة “اليوم السابع”، ويسري فودة، مقدم برنامج “السلطة الخامسة” في قناة “دويتش فيليه” الألمانية. وصنفت القاهرة، مؤخرا، ضمن أخطر المدن في العالم للنساء بسبب تعرضهن للتحرش.

وفي العقود التالية، ومع صعود التيارات الإسلامية، وانتشار الدعاة، خاصة المنتمين للتيارات السلفية، وجماعة “الإخوان المسلمين”، اتجه معظم الحديث في المساجد، وعبر أشرطة الكاسيت، والكتب، والمقاطع المصورة، ثم القنوات الفضائية الخاصة بهم لاحقا، إلى التركيز على جسد المرأة، وتصويره كفتنة مثيرة للغرائز، واعتباره خطراً داهماً على “شباب الأمة”، وإغراء الرجال بالحور العين وممارسة الجنس الممتع معهن بقوة 40 رجلاً ولمدة أربعين سنة في المرة الواحدة، إضافة إلى فتاوى النكاح والمضاجعة المثيرة للدهشة.

وأمام هذا الغزو الفكري المكثف، بدأ المجتمع المصري يشهد تحولات مرعبة، وتغيرت نظرته تجاه المرأة، وتبدلت من كونها إنساناً بكل ما تحمله الكلمة من معان راقية، إلى مجرد جسد مثير لشهوات الرجل. وكان الحجاب، إلى جانب النقاب، هو راية النصر السياسي التي رفعتها التيارات الإسلامية فوق رؤوس نسبة كاسحة من النساء، اللاتي ارتدين الحجاب عن قناعة، أو إجبار أسري، أو اجتماعي، أو مسايرة للموضة، وبحث عن زوج يرغب في الارتباط بفتاة “محترمة” محجبة.

الجنس هدف

يقول الدكتور جمال فرويز، استشاري الطب النفسي لـ”النهار”: “حين تنظر إلى مقاطع الفيديو التي تم بثها لدعوة الشباب للانضمام إلى التنظيمات الجهادية مثل داعش، تجد أغلبها يتحدث عن الحور العين ومضاجعة النساء، وكأن الهدف الأوحد للإنسان هو ممارسة الجنس، إنه شيء مقزز حقا. كل ما يهمهم الجنس. ويسألهم بعض الشباب عن أجساد غير آدمية قدمت إلى الأرض، وهل يجوز نكاحها أم لا؟ كل فتاويهم تتحدث عن النكاح ومضاجعة النساء”.

مصريات خلال الستينات.

ويضيف الأستاذ الجامعي: ” نعيش الآن ما كانت تعيشه أوروبا قبل 500 سنة، في العصور المظلمة، هذا هو فارق العمر العقلي بيننا وبين أوروبا. لقد كانت مصر وكذلك لبنان هما البلدان الوحيدان في العالم العربي الناجيين من هذا التخلف الحضاري. وفي فترة ما بعد الستينيات تآمر البعض على مصر وغير مسارها الفكري، وتآمروا على لبنان بالفتن الطائفية. لقد أعادونا 500 سنة للوراء”.

“وحتى لا نظلم رجال الدين الحقيقيين، نحن هنا نتحدث عمن يدعون بأنهم رجال دين، أو يدعون أنهم يحتكرون الحديث باسم الدين”، يقول فرويز، مشيرا إلى أن: “هؤلاء كشفت ازدواجيتهم خلال السنوات القليلة الماضية، فبينما كانوا يتحدثون عن الفضيلة والعفة، تجد أحدهم وقد تزوج راقصة، وآخر يقول إنه سرق وتعرض للضرب، ثم يتضح أنه عمل عملية تجميل، وآخر ضبط في وضع مخل مع فتاة عمرها 18 أو 19 عاما على طريق المنصورة، هذا إلى جانب فضائحهم في العلاج بالجن، واغتصاب النساء، وغير ذلك، هذا يجعل الشباب يتجهون إلى العكس تماما (الإلحاد). المشكلة أن هؤلاء الدعاة يتوحدون مع الله، وحين تنتقدهم يقولون إنك كافر”.

مخيلة الشباب

ويعتقد البعض أن الدعاة، وخصوصاً السلفيين والإخوان كانوا سبباً مباشراً في التأثير على خيال الشباب بخصوص جسد المرٲة.

ويقول الشيخ مصطفى راشد، مفتي استراليا ونيوزيلندا لـ”النهار”: “لٲن الإخوان والسلفيين اختصروا الشريعة ودعوتهم بجسد المرٲة بنسبة قد تصل إلى 90%. فالمتابع لخطاب هؤلاء سيجد ذلك وكأن الشريعة جاءت بكل المحرمات من أجل المرٲة وحدها، وتناسوا لب الشريعة في قول الحق عند الحاكم، ونشر السلام والعدل بين الناس، وحض الناس على الزكاة، وفعل الخير، وأن العمل عبادة، وٲن إطعام المسكين ٲهم من الصيام، وأن إعالة المحتاج والفقير تتقدم على الحج”.

ويضيف الشيخ راشد الذي كثيرا ما يخوض معارك إعلامية مع المنتمين لما يسمى بالفكر السلفي: “للأسف وضعوا شريعة غير الشريعة، وجاؤوا بأحاديث غير صحيحة، وجعلوها من الشريعة، مثل :لن يفلح قوم قط ولو أمرهم امرأة، أو أن سيدنا النبي رٲى في النار نساء معلقات من شعورهن بسب عدم لبس الحجاب، وهو كلام مزور لا أساس له”.

تحرش.

ويواصل حديثه: “أو حديث آخر غير صحيح عن خالد بن دريك عن السيدة عائشة أن الرسول عندما رٲى السيدة أسماء، قال لها إن المرٲة إذا بلغت المحيض فلا يجب أن يظهر منها إلا هذا وذاك، وأشار إلى الوجه والكفين، وهو حديث مزور، لٲن خالد ابن دريك لم ير السيدة عائشة، وولد بعد وفاتها، فكيف يروى عنها، وقد اتهمه أبى داود، صاحب المصنف بالكذب”.

“حتة لحمة”

وتقول ندى عبد الله، الناشطة في مجال مكافحة التحرش وحقوق المرأة: “منذ أوائل الثمانينات وبداية التسعينيات غزت الثقافة الوهابية مصر، هذا بجانب ثقافة الانفتاح التي صعدت خلال هذه الفترة بصورة موازية. وإضافة إلى شيوخ الوهابية والجهاديين، لعب العاملون بدول الخليج دورا في نقل الثقافة الوهابية، إلى مصر. وانتقل التطرف والتشدد الديني، وعشعش في عقول البعض من وقتها وحتى اليوم”.

وترى الناشطة التي أسست حملة “خدي حقك بأيدك” لمكافحة التحرش أن “التشدد الديني كرس لفكرة أن المرأة (قطعة لحم)، والانفتاح، الذي تسبب بنقل شرائط الفيديو والمجلات الإباحية إلى مصر، هو أيضا قدم المرأة على أنها (قطعة لحم)، ومع الوقت ظهرت أجيال لا ترى في المرأة كإنسان، وأن جسدها ملك لها وحدها، وأن هذا الجسد ليس مشاعاً للجميع أو مستباحاً”.

وأضافت أن “هؤلاء المشايخ كانوا يرسخون لفكرة أن المرأة يجب أن تتم تغطيها، وأنا لا أتحدث عن الدين، أو رأيه في مسألة الحجاب. الأديان في جوهرها عظيمة، لكن الأزمة في التفسيرات الذكورية التي تجعل من المرأة مواطناً من الدرجة الثانية. إنهم يصورونها كعورة، وأنها موجودة كأداة للمتعة الجنسية، وللإنجاب فحسب”.

 وتشير ندى عبد الله إلى أن “هؤلاء الدعاة حققوا أرباحا مادية تقدر بمليارات الجنيهات بسبب نشر هذا الفكر، عبر قنواتهم الفضائية، حيث كانت أرقام الهواتف التي تتلقى الاستفسارات وطلبات الفتاوى، تعمل بأجر، كما أن أشرطة الكاسيت والكتب كانت تباع ويجنون منها أرباحا كبيرة. كان هؤلاء يبثون الكثير من الفتاوى الغريبة، ويساهمون في تغيير فكر المجتمع المصري، وما زلنا نعاني من آثار ما نشروه في مجتمعنا، ولهذا بات التحرش بالنساء حدثا مرعبا تعاني من المرأة بشكل شبه يومي”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*