الرئيسية / home slide / كيف ساهمت السياسات النقدية والمالية بالأزمة الحالية

كيف ساهمت السياسات النقدية والمالية بالأزمة الحالية

20-01-2021 | 20:11 المصدر: النهار – أحمد نصار

تفاقمت في لبنان الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها اللبنانيون في تفاصيل حياتهم اليومية

تفاقمت في لبنان الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها اللبنانيون في تفاصيل حياتهم اليومية منذ سنين واشتدت في الآونة الأخيرة وتحديداً بعد انتفاضة الشعب على الطبقة السياسية الحاكمة، وترجمت هذه الأزمة في عدة مظاهر منها ارتفاع معدلات البطالة نتيجة توقف الإنتاج، اضمحلال الطبقة الوسطى وخسائر في الناتج المحلي الإجمالي.
أما أهم تلك المظاهر وأبرزها فكانت من نصيب انخفاض قيمة العملة (إرتفاع الدولار) وذلك بسبب تداعياتها على الحياة اليومية اللبنانية، وكما نعلم جميعاً، إن لبناننا بلد استهلاكي بامتياز وغير منتج وبالتالي كل الاستهلاكيات غير المدفوعة من الدولة على سعر صرف 1500 ل.ل، سوف يرتفع سعرها مترافقاً مع تحليق سعر الصرف.
وإذا بحثنا في أسباب هذا الارتفاع المستشرس نرى الكثير من الأسباب المتداخلة والمتكاملة التي نستطيع تقسيمها إلى ثلاثة أبعاد:
البعد الأول: هي أسباب على المدى البعيد
البعد الثاني: أسباب على المدى المتوسط
البعد الثالث : أسباب على المدى القريب.
البعد الأول:
أسباب على المدى البعيد وهي السياسات النقدية التي اتخذها البنك المركزي وكان ذلك عن طريق الأدوات النقدية من رفع معدلات الفائدة على الودائع والقروض وعن طريق بيع الأوراق النقدية (سندات)، وهذا ما ساهم في جعل لبنان بلداً استهلاكياً غير منتج (إرتفاع سعر القروض مقابل ارتفاع الأرباح على الرأسمال دون جهد أو مخاطرة).
وفي المقابل، اعتمدت الدولة اللبنانية سياسة الدين العام (يشكل الآن أكثر من 300% من الناتج المحلي الإجمالي) وكان ذلك على شكل قروض عالية الفوائد وصل حدها إلى 40% تقترضها الدولة بنسبة كبيرة من المصارف. فبحسب تقرير لبنك الاعتماد اللبناني، كانت حصة القطاع المصرفي من الدين المعنون بالليرة اللبنانية 32,7%،13,7% للقطاع غير المصرفي، 53,4% لمصرف لبنان. أما لجهة الدين العام المعنون بالعملات الصعبة فكانت نسبة 93,6% لسندات خزينة الحكومة اللبنانية بالعملة الصعبة أي اليوروبوند.
والباقي كان من حصة الإتفاقيات الخارجية.
وهذا يعني أن الدولة اقترضت أموال الموديعين بطريقة غير مباشرة.
وأي دولة؟! المملكة الطائفية العظيمة، ثقب الفساد الأسود، حظيرة الذئاب الخاوية الفجعة.
معظم الآراء الإحصائية الاقتصادية تقدر الثروة المهدورة والمسروقة من الشعب اللبناني
بين 200 و800 مليار $.
البعد الثاني: وهي الأسباب التي جاءت بعد اندلاع الحرب في سوريا والتي كان لها انعكاساتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية الواضحة على لبنان، وخاصة إذا نظرنا إلى ميزان المدفعوعات الذي غرق بالعجز التراكمي بين عامي 2011 و2018 (13,298 مليار $) بعد أن كان حقق فائضاً بين عامي 2006 و2010 وصل إلى 19,5 مليار $ رغم عجز الميزان التجاري. وكان ذلك نتيجة لعدة عوامل أهمها العقوبات الأميركية التي طاولت بعض الجهات اللبنانية ما ساهم في انخفاض التحويلات الخارجية إلى لبنان إلى 4 مليارات$ بعد أن كانت 7 مليارات $ سنوياً وخاصةً في السنوات الثلاث الأخيرة.
من جهة أخرى، كان لارتفاع عدد الأجانب من اللاجئين السوريين والعاملات المنزلية دوراً هاماً في ارتفاع كمية التحويلات إلى الخارج (تناقص في كمية الـ $).
ثالثاً، إنخفاض الصادرات السنوية من نحو 4 مليارات$ إلى 2 ملياري$ وبالتالي اتساع عجز الميزان التجاري، تأثراً بالحرب السورية حيث كان جزء كبير من الصادرات اللبنانية يمر عبر سوريا إلى العراق والأردن وغيرها من الدول العربية.
أما بالنسبة للبعد الثالث: (أسباب على المدى القصير) أي بعد انتفاضة 17 تشرين، فتمثلت بقرارات المصرف المركزي التي ساهمت بارتفاع حجم الليرة مقابل الدولار أبرزها قرار ألزم فيه من يملك حساباً بالدولار تحويله إلى ليرة على سعر 3900 وحدد سعر الدولار بـ 3625 ليرة للتحويلات، وهذا ما يُفقد الناس كمية دولار مقابل ازدياد حجم الليرة.
من جهة أخرى، ساهمت عمليات المضاربة في السوق السوداء بارتفاع سعر الدولار،
وتكون هذه العمليات إما من قبل متخوفين من ارتفاع سعر صرف الدولار، وإما من كبار التجار الذين يتحكمون بالسوق السوداء من خلال شراء كميات كبيرة من العملة الصعبة وإعادة بيعها بسعرٍ أعلى، أو من قبل من بات يعمل في قطاع بيع وشراء الدولار.
إذاً، إن هذه الأزمة التي وصلنا إليها اليوم هي نتيجة تراكمات سياسات مالية ونقدية خاطئة مترافقة مع الهدر والفساد بكافة أشكالهما، ومن ناحية أخرى، نتيجة عوامل وظروف جعرافية وسياسية تعيشها المنطقة، مترافقةً مع الاحتكارات والمضاربات التي يجب أن تكون مرفوضة ومقموعة في ظل وجود دولة ترعى شعبها. ما جعلنا كلبنانيين نعيش، في ظل تآكل قدرتنا الشرائية، حاضراً مرّاً، خائفين من الآتي، منتظرين الحل… فما هو الحل؟