الرئيسية / home slide / كيف تكيّف هذا الفنّ التراثي مع الأزمات الحالية؟ | بالحكاية نُشفى رغم كل شيء!

كيف تكيّف هذا الفنّ التراثي مع الأزمات الحالية؟ | بالحكاية نُشفى رغم كل شيء!

يرى جهاد درويش أن الإنسان في أسوأ حالاته يحتاج إلى الحكاية نظراً إلى شاعريتها

منذ حوالى عقدَين، كانت العاصمة اللبنانية تشهد كلّ عام إقامة «المهرجان الدولي للحكاية الشفهية والمونودراما» الذي استحال تدريجاً منصّة وفّرت لرواة من لبنان والعالم العربي والغربي، منبراً لاستعراض تراث يهدّده الاندثار. هذه التجربة المهمّة كان وراءها أب الحكواتيين اللبنانيين جهاد درويش (1951) الذي خرج من عباءته جيل جديد وشاب تسلّم المشعل وواصل درب الحكاية والتوثيق، رغم التحديات الكثيرة التي تقف في وجه هذا الفنّ، ليس أولها الميل إلى القطيعة مع التراث، والتطوّرات التكنولوجية والترفيهية الكثيرة. جاءت الأزمة الصحية والاقتصادية في لبنان لتُضاف إلى جملة هذه المعوقات. أو أقلّه هذا ما يخال المرء، إلى أن أثبتت العروض الافتراضية أنّها تشكّل بديلاً مساعداً في الوصول بشكل أكبر إلى الجمهور، ولو أنّها أسقطت العديد من العناصر والعوامل التي يتطلّبها هذا الفن التفاعلي. كيف عاش حكواتيّونا فترة الحجر؟ ماذا خسر هذا الفن بنزوحه إلى الفضاء الافتراضي؟ والأهم، لماذا سيواصل شبابه العروض على النت، رغم عودة الأنشطة الفنية والثقافية إلى المدينة؟ وكيف يتفاعل مع الظروف والأزمات الحالية؟


قال الراوي يا سادة يا كرام…
تلك العبارة الشهيرة التي لم تعد تتردّد على مسامعنا منذ سبعينيات القرن الماضي في بلاد الشام، تركت زاوية المقهى الشعبي مع راويها الحكواتي، بفعل التحوّلات الزمانية والمكانية التي يعايشها هذا الفن من حداثة وتكنولوجيا لإثبات هويته المعنوية بصورة عصرية متجدّدة ومتنوعة. للحكواتي مهارات تتلخّص في القدرة على التأليف، والسرد، والتشويق وسرعة البديهة لجذب المستمع، وشد انتباهه أثناء العروض التفاعلية و«كاريزما» فطرية يصقلها أيضاً بالتجربة والتعمّق في هذا الفن الشفهي التراثي. تتفاوت شخصيات الحكواتيين باختلاف خبراتهم، ثقل المهارات الصوتية والجسدية والاحترافية، بالإضافة إلى الخلفية الثقافية المتمكّنة لخلق حكاية ذات منفعة وهدف وغاية.
منذ عام ونصف العام، لجأ الحكواتي إلى الفضاء الإلكتروني كغيره ممن استخدموا المنصّات الافتراضية لمواصلة عملهم، فماذا افتقد الحكواتي بفعل هذا الانتقال؟ وهل استطاع أن يتأقلم ويتكيّف مع البديل في ظل اتّكاله على الأدوات الحسية الحية والعروض التفاعلية؟ والأهم ماذا فقد هذا الفن مع نزوحه إلى الفضاء الافتراضي؟

■ جهاد درويش: من الكهف إلى الميدان
«الحكاية لا تموت» يقول الحكواتي اللبناني المقيم في فرنسا جهاد درويش مبتسماً ومتفائلاً. يأخذنا أب الحكواتيين اللبنانيين في رحلة تاريخية إلى بدايات هذا الفن وأصالته. من الكهف، نحت الروّاد القصّة على الصخور المتبقية آثارها لهذا الحين. يحكي لنا عن المتغيرات التي طرأت على هذا العالم عبر العصور. مع ظهور الكتاب، أتيح للحكواتي التنويع في مصادره وأدواته، ليخرج اليوم من إطار المقهى إلى التعددية. فالخيارات في متناوله، باتت أكثر تنوعاً لتصل الحكاية في يومنا هذا إلى المسارح، والمكتبات والمدارس وميدان الشارع. حتى إنّ استخدامات الحكاية ما عادت تقتصر على الترفيه والمتعة، بل صارت تُستخدم اليوم في إطارٍ إنساني وعلاجي لمرضى الزهايمر وذوي الاحتياجات الخاصة ودور المسنين وغيرها. من هنا يأتي التأكيد على أن الحكاية عاشت عصوراً من التغييرات والتبدّلات ولم تراوح مكانها، بل امتدت وسافرت من جيل إلى جيل ومن حضارة إلى أخرى.

الثورة الرقمية أعادت إحياء هذا الفن عبر تجديد التراث وخلق مساحة جديدة (خالد النعنع)


وعمّا إذا كان الحكواتي قد نجح في التأقلم مع هذا الفضاء الإلكتروني، يعتبر درويش أنه أُجبر على التأقلم. منذ بداية البشرية واكب الحكواتي التطورات والأزمات، تأقلم معها عاشها وعايشها. فهو لا يمتلك حلاً بديلاً، وهو واحد من الناس الذين عانوا الفقر ولسعات الحرب واللجوء والتهجير، وكلها أمور تصنع الحكاية وتشكل مادة لها. أما في ما يخص العروض عبر الإنترنت خلال جائحة كورونا، فيجد إيجابيات عدة أبرزها أنّ الفضاء جعلنا نتعرف إلى حكواتيين جدد لم نكن نعرفهم من قبل. يعتبر درويش أن المشكلة في الشرق ما هي إلا مشكلة ذاكرة، وعلى الجيل الحالي من الحكواتي أن يوثق، خصوصاً أن بلادنا تعيش أزمات وأحداثاً مكثفة وهذا محفز ليحكي هذا الفن هموم الناس ومشاكلهم.
بعد خبرة طويلة في هذا المجال، يرى جهاد درويش أن الإنسان في أسوأ حالاته يحتاج إلى الحكاية لشاعريتها، وهذه فطرته، والمسؤولية الكبرى تقع على الحكواتي نفسه لأنه حلقة من سلسلة كبيرة ومتشعّبة. والتقصير يكمن في عدم التوثيق أو عدم إدراك أهميته أو حتى تقنياته. لكنّ توارث هذا الفن من جيل إلى جيل، يحتّم ضرورة توثيق الحكايات.
نستنتج من حديثه أنّ كل جيل من مئة عام حتى اليوم، حمل وأضاف شيئاً جديداً إلى فن الحكواتي. وإذا أدى الحكواتي دوره في التوثيق كما يجب، يكون قد أتمّ دوره وأتقنه جيداً عبر ترك مادة مهمة للجيل القادم من الحكواتيين.

■ سارة قصير: تقنيات شاملة
تستخدم الحكواتية سارة قصير تقنيات شاملة في عروضها، فتجمع في حكاياتها ما بين الدراما الإبداعية والتعبير الجسدي إلى جانب إعِمال المخيلة، فلا يشكل الأمر بالنسبة إليها نشاطاً منفصلاً، بل إن الحكاية من وجهة نظرها نتاج عمل كلّي يجمع أدوات الممثل المعد على خشبة المسرح. خلال العروض عن بعد، لجأت قصير إلى مفاتيح بديلة حقّقت من خلالها جذب المشاركين وخصوصاً الأطفال منهم. أبرز هذه المفاتيح استبدال المشاركات الصوتية بالحركات الجسدية، لأن أعداد المشاركين الكبيرة لا تتيح للعرض فرصة النجاح عبر تفاعلهم صوتياً، فكان البديل هو التفاعل عبر توجيه حركات الوجه واليدين وأيضاً التفريغ الجسدي.
فخّ خطر قد يقع فيه الحكواتي في العروض عن بُعد هو إبقاء الشاشة حاجزاً، عبر مخاطبة نفسه، وهذا الأمر نفسيّ بحت يجعل الجمهور يقع في دوامة الملل كأنه مجرد متلقٍّ لمعلومة لا لحكاية. وهنا تكمن ضرورة تطوير الحكواتي لمهاراته وأدواته، فالأمر بحاجة إلى سرعة بديهة وتركيز عالٍ للمتابعة مع كل المشاركين.
كادر الصورة، الخلفية، الإضاءة وألوان الملابس، كلها أمور تساعد في إنجاح العروض وفق سارة قصير
من خلال خبرتها في عالم الإخراج، أضاءت قصير على بعض الثغرات، فقد يعتبر بعضهم أن ثمة عوامل غير مؤثرة، لكن إذا التفت الحكواتي لمعالجتها، يكون قد حقق جزءاً لا يستهان به خلال عملية التواصل عن بعد مع جمهوره. من أهمّ هذه العوامل هو كادر الصورة، الخلفية، الإضاءة وألوان الملابس، كلها أمور تساعد في إنجاح ورش العمل والعروض.
لا ترى قصير المشكلة محصورة في التوثيق، بل تعتبر أن الأمر متعلّق بالمستويات الاحترافية، فعندما يتقدم فن الحكواتي من دون مستوى جيد ولائق تلقائياً، يقلّ رصيده بين الناس وعليه تتحدّد وجهة نظر الناس تجاه هذا الفن، فلا خوف على مستقبل الحكواتي؟ تقول «نحن قادمون على ثورة في عالم الحكواتي، لكن المخاوف من بعض الممتهنين له باعتباره فناً سهلاً لا يحتاج إلى تدريب مكثّف ودؤوب».

■ خالد النعنع: بلد يقتل الحياة

تختلف وجهات نظر الحكواتيين بحسب اختلافات تحصيلهم العلمي وخلفياتهم التربوية والحياتية والممارسات. لا يعمّم خالد النعنع تجربته في هذا العالم باعتبار أنّ ما يتماشى معه قد لا يتلاءم مع بعض زملائه في المهنة، وهذا ما يميز فن الحكواتي برأيه كنقطة قوة لا نقطة ضعف. يقدر النعنع أن مصدر طاقة الحكواتي هو الجمهور، فهو يستمد منه الطاقة والدعم، وهذا ما افتقده بفعل انتقاله إلى مواقع التواصل والتطبيقات الإلكترونية، لكنه يؤكد أنّ الحكواتي بات مجبراً على مواكبة التطور بغض النظر عن جائحة كورونا، فالتحدي كان في كيفية جذب الناس إلى مكان الحكواتي أينما كان.
تحديات وصعوبات كثيرة واجهت وامتحنت هذا الفن، من بينها عدم تمكّن الحكواتيين من إجراء عرض كامل على مواقع التواصل الاجتماعي، ما جعلهم يلجأون إلى تعديل الحكاية أو تصغيرها مع دعمها بأكبر كمية من المعلومات في أقل وقت ممكن. يوافق النعنع على هذا الطرح، مؤكّداً أنّ «وقت الحكاية تغيّر، وطريقة الحكاية اختلفت». بعد خبرة في هذا المجال تعدّت الـ 14 عاماً، يجد أنّ انتقال الحكواتي إلى التلفزيون والفضاء الإلكتروني يُفقده عفويته، فالعرض المباشر خالٍ من فخ الثغرات، بينما العرض الموثق يتّسم بسرعة هائلة في الانتشار، ما يعرّض مسيرة الحكواتي للتهديد في حال أخطأ، وعليه يجب أن يكون حذراً لأنه لا يعرف طبيعة الفئات المستهدفة ولا نوعية الجمهور حتى.

نحن قادمون على ثورة في عالم الحكواتي، لكن المخاوف تكمن في اعتباره فناً سهلاً لا يحتاج إلى تدريب (سارة قصير)


لكن لا يبدو الأمر سلبياً في مطلق الأمور بالنسبة إليه، فيرى أنه وزملاءه استطاعوا عبر الثورة الرقمية إعادة إحياء هذا الفن عبر تجديد التراث وخلق مساحة جديدة والانتشار والتوجه إلى الجمهورَين المحلي والدولي.
بعض الحكواتيين المخضرمين التقليديين (الكلاسيكيين) لم يتقبّلوا فكرة الانتقال هذه باعتبار أنّ الحكواتي ثابت وعلى الجمهور أن يكون هو المتحرك من خلال قصد مكان عرض الحكاية. اعتبروا أنّ فكرة الانتقال إلى الانترنت والتلفزيون تتنافى مع مبادئ الفن وأصالته، لكن خالد وغيره من الحكواتيين يرون أنّ من حق كل الناس الوصول إلى الحكاية، ولهذا السبب انتقلوا إلى الفضاء الإلكتروني. فلا يمكن للمحارب اليوم أن يحمل سيفاً في وجه دبابة على حد تعبيره.
يرى النعنع أنّ لا شيء مضموناً في بلد مثل لبنان، ولا يجد إجابة حول مستقبل هذا الفن، لأنّ أقصى طموحاتنا اليوم تتمحور حول حاجاتنا اليومية. أما الطموحات الفعلية والفنون والحياة، فلا تلقى إلا القتل الممنهج.



العروض الافتراضية أتاحت للحكواتيين الانتشار والتوجه إلى الجمهورَين المحلي والدولي (خالد النعنع)
■ شباب في الميدان
برز في الآونة الأخيرة جيل جديد وأسماء شابة من الحكواتيين. سحر شحادي هي إحدى الكاتبات والحكواتيات اللواتي ساعدتها العروض عن بعد في توسيع دائرتها. تحرص على توثيق حكاياتها بطريقة مكتوبة ومسجّلة بأرشيف خاص انطلاقاً من خلفيتها الدراسية في الفنون التربوية والأدبية. لبّت سحر كل الدعوات حين بدأت الجهات المعنية المحلية والدولية بتفعيل أنشطة الحكواتي. شكلت تلك الفترة تحدّياً كبير لها بسبب خسارة ميزة التواصل الفعلي، لتختار أن تحلّق في الفضاء الإلكتروني. «لا جهة رسمية تدعم وتوجِّه، وهذه هي معاناتنا، غياب الاهتمام والحافز». تقول. وبينما يعمل الحكواتي الصاعد على احتراف المهنة، ما زال المجتمع يتعامل معه على أنّه متطوع بالمجان، لا أحد يقدّر أنه آتٍ مع سنوات طوال من الخبرة والممارسة، وأنها مهنة يعتاش منها. قفزت سحر على النمط المعاصر إيماناً منها بالقيم المضافة المتوجب إعطاؤها لأي مهنة، فطبيعة الجمهور كما سبق وذكرنا قد تغيّرت، ودور الحكواتي هو التماشي مع هذه المتغيرات.
إنّ التوقف عن إحياء أي تراث فني لا يؤدي به إلا إلى الموت أو النسيان، فأتت العروض عبر الإنترنت كوسيلة لإنعاش هذا الفن وانتشاره بشكل أكبر. يجمع الحكواتيون الذين تحدثنا معهم على أنّ الجميع سيواصل نشاطه عن بعد حتى مع العودة إلى الحياة الاعتيادية، فلن تترك العروض الإلكترونية بشكل نهائي نظراً إلى التسهيلات وقرب المسافات التي يوفّرها هذا الوسيط. فما لا يدرك كله لا يترك جله، وفي بلادنا هذه يوجد دوماً للحكاية تتمة.