كيف تفكرُ كأنثربولوجي؟… سلطة الإثنوغرافيا وملاحظات عابرة

 محمد تركي الربيعو 
القدس العربي
https://www.alquds.co.uk/
15022020

في فترةٍ من الفترات العربية المعاصرة، وأعني تحديداً فترة الثمانينيات والتسعينيات، كان التطرقُ إلى تعبير الإنثروبولوجيا، أو ذكره يحيلُ القارئ والمتابع العربي إلى عوالمِ الاستعمار والاستشراق، وصور الجنود المثقفين الذين جاؤوا على ظهور السفنِ الاوروبية لدراسة واستكشاف الشعوب «البرية» التي تعيشُ في عالم الشرق الأوسط والإسلامي، لتزويد الجيوش الأوروبية بمعلوماتٍ عنها. وعلى الرغم من أن هذه الرواية قد تعكس جزءاً من قصةِ هذا الحقل، ولا يمكن نفيها أحياناً، بيد أنها في عالمنا العربي، وبالأخص المشرقي، الذي عانت فيه العلوم الاجتماعية الويلات، خلال فترة الأدلجة التطورية، بقيت تتحكمُ برسم صورة هذا الحقل في أذهان باحثينا.
إلا أن المُلاحظ في ما أخذ يُنشر في السنوات القليلة الأخيرة حول هذا الموضوع، تشكّل رؤية أخرى حيال هذا الحقل وأدواته، فبدلاً من مقولات طلال أسد وحميد دباشي (الذي لا يمل ليلا من نقد ومراجعة مقولات أستاذه ورفيقه إدوارد سعيد، قبل أن يعدل صباحاً عنها ويكمل هجومه على الإمبريالية) وعلاقة هذا الحقل بالكولونيالية، أخذنا نعثر على عناوين أخرى تتحدث عن تاريخٍ أوسع له. وكمثالٍ، يمكن الإشارة للكتاب الذي أصدره المركز العربي للأبحاث عن تاريخ نظريات الإنثروبولوجيا في الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وبريطانيا وألمانيا، كما يمكن الإشارة إلى كتاب «ما الذي يفعله الإنثروبولوجيون؟»، الذي قدّم تصوراً آخر عن الأماكن التي باتوا يعملون فيها؛ إذ لم تعد قرى البرازيل أو استراليا وغيرها من المجتمعات الصغيرة هي التي تشغل اهتماماتهم اليوم، بل باتت المدينة بتقلباتها وناسها، وهوياتهم، وطعامهم، وقمامتهم، وطرق شربهم للمياه، وإنجابهم للأطفال أحياناً بطرق علمية (أطفال الأنابيب الذين فرضوا تحديات جديدة أمام نظريات القرابة التقليدية)، وغيرها من الاهتمامات الجديدة هي ما يشغل بال المشتغلين بأدواته.

كيف تفكر كأنثروبولوجي؟

ومن بين العناوين الجديدة التي تؤسس، كما نعتقد، لصورةٍ أخرى عن هذا الحقل وأدواته ونتائجه، الكتاب الصادر قبل أسابيعٍ قليلة عن الشبكة العربية للأبحاث والنشر بعنوان «كيف تفكر كأنثربولوجي؟» وهو من تأليف الإنثروبولوجي الأمريكي ماثيو أنجيلكه، الذي يعمل حالياً في جامعة لندن، ترجمته للعربية عومرية سلطاني.
وخلافاً لما هو معهود من تقديمِ مرافعةٍ تاريخيةٍ عن نوايا هذا الحقل، الذي عادةً ما يقوم به المدافعون عنه، لا يخصص المؤلف سوى بضعة أسطرٍ للإشارة إلى هذه الإشكالية، التي شغلت مؤلفات عديدة، قبل أن يُكمل مهمته، في إعادة النظر بعددٍ من المفاهيم التي صاغها الإنثروبولوجيون، مثل مفهوم الثقافة والحضارة والقيم والقرابة، وغيرها من المفاهيم التي تأثرت أو جاءت للرد على أنصار وأفكار داروين حول التطور.
يؤكدُ انجيلكه في مقدمته للكتاب على نقطتين، تتعلق الأولى بأهمية العمل الميداني، وتدورُ الثانية حول فكرة النسبية الثقافية. يكشفُ لنا هنا عن بعض المعطيات والسير الغريبة، إذ خلافاً لما هو متوقع عن عالم الإنثروبولوجيا كلود ليفي شتراوس، يؤكد المؤلف على أن هذا الرجل صاحب «المداريات الحزينة» في البرازيل، لم يقضِ وقته بين القبائل، بل في مكتبات مدينة نيويورك، بُعيد لجوئه للمدينة بسبب الحرب العالمية الثانية، إذ تعرف هناك على كتبٍ لا حصر لها عن الأمريكيين الأصليين في الشمال والجنوب، وعلى دراسات بواس الميدانية في القطب الشمالي، بيد أنه لم يُنجز في حياته بحثاً ميدانياً بنفسه تقريباً، إذ بقي إنثروبولوجياً نظرياً. أما في ما يتعلق بفكرة النسبية الثقافية، يبين أن هذه الفكرة هي من أكثر المداخل التي يُساء فهمها أحياناً، وهذا ما نراه مثلاً في عالمنا العربي هذه الأيام، من خلال لهاث بعض الباحثين من جذور إسلامية أو «إسلاموية»، كما يحلو للبعض تسميتها، وراء أفكار «الإنثروبولوجيين الغاضبين» من أمثال أسد، الذين يُكثرون من تكرار عبارة النسبية الثقافية، معتقدين أنهم بذلك يؤسسون مدخلاً بديلاً للدفاع عن التراث، بينما يرى صاحبنا أن هذه الفكرة «لا تعني القبول أو تبرير كل شيء يفعله الآخرون، أو إدانة البيانات الإحصائية، أو السخرية من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان»، بل هي فكرة نفهم من خلالها العدالة، أو الوفرة، أو الأبوة، أو الدين محلياً، فهي توفر في أبسط صورها تقديراً لما سماه مالينوفسكي «وجهة نظر الساكن المحلي» بدون أن يعني ذلك الاتفاق معه، أو تبرير كل سلوكياته، أو اعتماد المفهوم كشعارٍ لمواجهة الآخرين.

 بدا لنيلوفر حائري أن عملية وصول الكتاب من المؤلفِ أو المترجم إلى النسخة المطبوعة، عبارة عن مسارٍ يخضعُ لأشكالٍ متعددةٍ من السلطات التحريرية أو اللغوية، ما ولد نصوصاً أخرى مغايرة للنص الأصلي.

سلطة الإثنوغرافيا:

وكما ذكرنا في بداية تعريفنا بالكتاب، فهو يصطحبنا في الأساس في رحلةٍ شيقةٍ وممتعةٍ، للتعرف على قصة نشوء هذا الحقل وأبرز رواده (وبالأخص المدرسة الأنكلوسكسونية)، إذ نتعرف على نقاشاتٍ وحواراتٍ هادئة، وأحياناً على عواصف بينهم، حول بعض طرق البحث الميداني ونتائجها، وعلى رفض بعضهم القبول بأن عالم القبائل قد تغير، وأن عالماً معولماً آخر أخذ يؤثر في مجتمعاتهم الصغيرة، التي عشقوها. ولعل من الفصول الممتعة في هذا السياق الفصل الخاص بمفهوم «السلطة»، الذي ربما قد يوحي للوهلة الأولى بأنه يناقش فكرة الدولة والسياسة (التي خصص لها المؤلف بضع صفحات في مكان آخر)، في حين أن المقصود هنا هي مفردات السلطة التي تمارسها الإثنوغرافيا، أو لنقلِ تحيزات الإنثروبولوجيين أحياناً لافتراضاتٍ معينة.
ومن بين الأمثلة التي يناقشها، مثالٌ يتعلق بـ«مهر العروس» أو «ثروة العروس» وفق تعبير إيفانز بريتشارد، إذ غالباً ما نُظِر لهذا المهر باعتباره يعكس حالة بطريركية أو هيمنة للذكور على النساء اللواتي لسن سوى بضاعة تُباع وتُشترى، بينما يرى أنجيلكه أن هذا التفسير قد لا يعكس «وجهات نظر السكان الأصليين» بالضرورة، بقدر ما يعكس رؤية إثنوغرافية ما. ففي دراسته عن تحولات الحياة الاجتماعية والثقافية في قرية تقع في شمال شرق الصين لمدة تقرب من ثلاثين عاماً، بين «يانشيانغ يان» كيف أثرت سياسات الدولة والعولمة لاحقاً، على موضوعِ المهور وتمكين الفتيات الصينيات. فقد اعتبر الشيوعيون، خلال فترة الخمسينيات، هذا الطقس بمثابة ممارسةٍ متخلفة وتقليدية، فقاموا بإبطاله، ما دفع بالسكان المحليين إلى الالتفاف على قرارات المنع، عبر خلق مقولات وأساليب جديدة، إذ شرعوا في نقل المهر لأيدي العروس ذاتها، وقد تعزز هذا الأمر بسبب التأثيرات المتزايدة للعولمة، التي جسدتها فكرةُ الانتقال من أسرة العروس إلى العروس، بوصفها فرداً، وبحلول التسعينيات صارت هذه المهور وسيلةً مكنت الفتيات من ممارسة أشكالٍ من السلطة، فقد أخذن يساومن بشدة بالغة على مستقبلهن، ويتفاوضن ويُعدن التفاوض حول مهورهن، وهي نتيجة تخالف الرؤى الإثنوغرافية التي فرضها البعض في السابق..

ملاحظات عابرة

كنا في أكثر من مقالٍ سابق قد ناقشنا مسألةَ المترجم، ودوره أحياناً، إلى جانب المحررين في إعادة إنتاجِ نصٍ جديدٍ. في هذا السياق، اعتمدنا على ملاحظات نيلوفر حائري حول الطباعة في مدينة القاهرة، إذ بدا لها أن عملية وصول الكتاب من المؤلفِ أو المترجم إلى النسخة المطبوعة، عبارة عن مسارٍ يخضعُ لأشكالٍ متعددةٍ من السلطات التحريرية أو اللغوية، ما ولد نصوصاً أخرى مغايرة للنص الأصلي. وفي مثال كتابنا المترجم، يمكن القول إن ما استوقفني أمران: الأول يتعلق بترجمة بعض المفاهيم والمصطلحات، أما الأمر الثاني فيدورُ حول صورة غلاف النسخة العربية، إذا ما قارناه بغلاف النسخة الإنكليزية (الطبعة الأولى التي نُشِرت عام 2017).

بالمقارنة مع غلاف النسخة العربية، فإن ما قد يُذكر هنا هو اعتماد المصمم على صورةٍ تحملُ أبعاداً رمزية، وهو أسلوب عادة ما اعتمدته الشبكة منذ سنوات

في ما يتعلق بالملاحظة الأولى، لا شك في أن المترجمة قد بذلت جهداً كبيراً في نقلِ النص وتقديم شروحات عديدة لبعض أسماء القبائل ودياناتها التي درسها الإنثروبولوجيون في أستراليا وغينيا، غير أن هذا الجهد، وكحال أي عملٍ فكري، لم يمنعها من الوقوع في أحد الفصول في بركةٍ كبيرة، جراء عدم إلمامها بالشكل الكافي بمصطلحات وتاريخ الحقل الذي تُترجِمه ربما. ففي الفصل الرابع من الكتاب والمعنون بـ«القيمة» حاول أنجيلكه الإجابة عن سؤال مفاده: ولماذا يتبادل البشر الأشياء؟ وبعد تعريفه بأفكار مالينوفسكي عن «حلقة كولا» التي مارستها قبائل غينيا في ما بينها، والتي تقوم على تبادل أساور وصدف بين الرجال، يأتي على ذكر أبحاث الفرنسي مارسيل موس الذي نشر كتاباً موسعاً بعنوان «الهدية» The gift.
ما يُلاحظ هنا أن المترجمة اعتمدت على ترجمة هذه الكلمة بشكلٍ حرفي، مع أن هناك مرادفات تحمل معاني اجتماعية للكلمة مثل «عطية» أو «هبة»، التي نعتقد أنها أقرب إلى روحِ التبادلات، التي مارستها القبائل التي درسها موس، لا بل إن الإنثروبولوجي السعودي سعد الصويان، وفي سياق حديثه في الفضاء البدوي عن مرادف لمصطلح «اقتصاد المهاداة» الذي اقترحه الأمريكي مارشال سالينز في الفضاء البدوي، لم يرَ مثالاً أوضح من فكرة الكرم عند العرب، فقد بقيت مفردات مثل «كرم»، «عطية» أو «فزعة» هي الأكثر توارداً في هذا الفضاء، والأقرب لمفهوم الهبة، الذي ذكره موس. ولعل الشيء المحير هنا، أن المترجمة أو مُراجعُ الكتاب لم يتنبها إلى أن مفهوم الهبة بات مفهوماً تأسيسياً في هذا الحقل، كما أنه حظي بترجمات عربية عديدة، كان آخرها ترجمة الإنثروبولوجي التونسي محمد الحاج سالم، لكتاب موس بعنوان «مقالة في الهبة». ولا يمكن إهمال هذا التراكم على صعيد ترجمة الكلمة إلى هبة، بدلاً من هدية، أو قبوله حتى لو أن المترجمة أجادت عملها في باقي الفصول، فمفهوم الهبة اليوم غدا مفهوماً تأسيسياً داخل الحقل، وبالتالي لا يمكن أخذ قرار بترجمته بدون مراعاة الجهد الذي بذله المترجمون العرب في السابق، أو بالأحرى مراعاة روح النصِ الأصلي.
أما الزاوية الثانية فتتعلق بصورة غلاف الطبعة العربية مقارنةً بالنسخة الإنكليزية. فالملاحظ أن غلافَ النسخة الإنكليزية جاء عبارة عن غلافٍ أخضر رُسِمت في وسطه وبشكل أفقي نظارة قراءة عادية، لتوحي للقارئ بشيءٍ من البساطة، وهذا ما قد يُناقضُ إحدى الكليشيهات التي تُرسم حول هذا الحقل، بوصفه حقلاً يحول المألوف غريباً والغريب مألوفاً، بينما يبدو المصممُ، بمشاركة المؤلفِ، مع غلاف الكتاب وكأنه يُرسلُ رسائل للقارئ بسهولة الخوض في هذه الرحلة، وهذا ما نجده فعلاً في غالبية فصول الكتاب، رغم التزام المؤلف بمفردات هذا الحقل. لكن بالمقارنة مع غلاف النسخة العربية، فإن ما قد يُذكر هنا هو اعتماد المصمم على صورةٍ تحملُ أبعاداً رمزية، وهو أسلوب عادة ما اعتمدته الشبكة منذ سنوات، لكن ربما ما يثير الانتباه أن الغلاف العربي جاء على صيغة وجه رجلٍ بعينين محجوبتين، يغطيهما سواد داكن إلى أعلى رأسه (هكذا خيل لنا)، وقد جاء خلافاً لصورة النظارات العادية، وكأنه يوحي بغموضٍ ما، رغم أن الدعوة في الكتاب هي لكيفية اكتشاف السير في حقل يوميات الناس وطقوسهم؛ وكأن هذه الصورة عبّرت من دون قصد منها عن حالة هذا الحقل في عالمنا العربي، الذي عادة ما يُقابل إلى يومنا هذا بالغموض، وهذا أمر مبررٌ حقيقة في ظل غياب الأدبيات والأقسام الكافية، أو لعل صورة هذا الغلاف قد تحتاج لدراسة أوسع لعالم مصممي أغلفة الكتب العربية، ولعل هذا ما نسيت نيلوفر حائري دراسته في سياق تتبعها لعوالم المحررين، وصانعي الكتب في القاهرة، ولما لا، طالما أننا مدعون للتفكير بالإنثروبولوجيا وطقوسها…

٭ كاتب من سوريا

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*