الرئيسية / مقالات / «كورونا» في زمن المغردين

«كورونا» في زمن المغردين

غسان شربل
رئيس تحرير «الشرق الأوسط»
الشرق الأوسط
09032019
https://aawsat.com/

قالَ السّياسيُّ إنَّه لا يتذكَّرُ أنَّ موضوعاً واحداً نجحَ في احتلال الصدارة، وعلى مدى وقت طويل على غرار ما يحققه «كورونا» هذه الأيام. إنَّه الهم الأول للحكومات والشركات والأفراد. إنَّه العنوان الأول على الشاشات والمواقع والصفحات. والشغل الشاغل للعلماء والمختبرات. إنَّها محطة لم يحنْ بعدُ وضعُ رقمٍ نهائيّ لعدد ضحاياها أو حجم خسائرها وآثارها على الاقتصاد العالمي في المرحلة المقبلة.
تذكر أنَّ العالم حبس أنفاسه في مطلع الستينات حين كادت أزمة الصواريخ الكوبية تضعه على شفير مواجهة نووية بين أميركا والاتحاد السوفياتي. لكن دولاً كثيرة اعتبرت أنَّها غير معنية بأي تبادل للضربات في حال حصوله. التفت العالم بأسره إلى سقوط جدار برلين، لكنَّ دولاً كثيرة اعتبرت نفسها بمنأى عن أي تداعيات لهذا الانهيار الذي أعقبه انهيار الاتحاد السوفياتي. أصيب العالم بساعات أو أيام من القلق حين نقلت «القاعدة» الحرب إلى الأرض الأميركية في 11 سبتمبر (أيلول) 2001. لكنَّ القلقَ سرعان ما انحسر حين خرج العالم من وقع الصدمة. نواجه الآن مشكلة مختلفة في عالم مختلف. إنها المرة الأولى التي نتأكد فيها أن وسائل التواصل الاجتماعي حولت العالم فعلاً إلى «قرية كونية» تترابط مصالح ومصائر أحيائها على رغم الاختلافات بين هذه الأحياء.
لاحظ السياسي أنَّ المشكلة خطرة وشاملة، إذ إنَّها تعني مباشرة نحو 90 دولة سجلت فيها وفيات أو إصابات. ثم إنَّ الفيروس يلحق أفدح الأضرار بأسعار الأسهم والنفط وحركة الاستيراد والتصدير والطيران والصناعة والسياحة. وهذا ما دفع صندوق النقد الدولي إلى الإعلان عن دعم بـ50 مليار دولار للدول المتأثرة، خصوصاً بعدما توقع تراجع النمو العالمي بمعدل 1 في المائة. وصل الأمر إلى الحديث عن أسوأ السيناريوات، وفيها أنَّ خسائر الإنتاج العالمي قد تصل إلى 2.7 تريليون دولار بحلول الربع الأخير من السنة، أي ما يقارب الإنتاج المحلي الإجمالي لبريطانيا.
لم يستبعد أن يكون العالم في طريقه نحو أزمة اقتصادية عالمية جديدة ستترك آثارها بالتأكيد على خطط التنمية، وربما فاقمت مشكلات البطالة، وصحبتها حالات عدم استقرار، خصوصاً في البلدان التي تفتقر إلى مؤسسات حية قادرة على امتصاص الصدمات. لكنَّه شدد على أننا لسنا في الطريق إلى نهاية العالم الذي شهد سابقاً أوبئة حصدت أعداداً هائلة من الضحايا، وتسببت في خسائر اقتصادية كبيرة. وأشاد بالطريقة الحازمة التي تعاملت بها الصين مثلاً مع الفيروس، حين قامت بعزل نحو 56 مليون شخص للحيلولة دون تفشي الفيروس على نحو واسع وإفلاته من أي سيطرة.
لاحظ أنَّ جزءاً من الهلع الذي استولى على كثيرين يعود أساساً إلى استغرابهم أن تنشأ في هذه المرحلة المتقدمة من التقدم العلمي والتكنولوجي مشكلة يعجز العالم عن توفير حل سريع حاسم لها. ورأى أنَّ الجزء الآخر من المشكلة هو طريقة تعاطي الإعلام معها. ففي زمن التسابق الإعلامي المحموم تبحث وسائل الإعلام عن السبق والتفرد واحتلال الموقع الأول، ما يدفعها أحياناً كثيرة إلى الوقوع في الإثارة بحثاً عن قراء ومتصفحين. وهنا على الإعلام أن يتذكَّرَ الشعور بالمسؤولية، ذلك أنَّ المبالغة في إثارة الهلع ترتب نتائج مكلفة على استقرار الناس واقتصادات الدول. وثمة فارق هنا بين نقل الصورة على حقيقتها، وهو ما لا يمكن لأحد أن يجادلَ به، وبين الذهاب بعيداً في الإثارة والتخويف عبر العناوين والتغريدات.
تطوع أحد الحاضرين للمشاركة من منظار آخر. قال إنَّ كل وفاة أو إصابة تشكل خسارة ومدعاة للأسف. لكن علينا أن نتذكَّرَ أن خسائر «كورونا» أقل بكثير حتى الآن من خسائر يتكبدها العالم بفعل النزاعات أو حوادث السير أو إدمان المخدرات. لاحظ أنَّ عدد ضحايا «كورونا» يقل بكثير عن عدد ضحايا تنظيم «داعش» وعن عدد ضحايا مجزرة حلبجة، بفعل استخدام نظام صدام حسين الغازات السامة في الضربة التي وجهت إلى المدينة. قال إنَّ خسائر إيران الحالية تقل عما تكبدته خلال قمع الاحتجاجات الأخيرة، وإن الخسائر العالمية من الفيروس تقل عن حصيلة يوم حار في الحروب السورية. يعرف العالم هذه الحقائق، لكن خوفه الكبير ناتج من الطبيعة الغامضة لهذا القاتل الذي تسلَّلَ إلى كل هذه الخرائط، ومن دون التأكد أنَّ العثور على مصل يحمي من أخطاره وشيك أو قريب. المشكلة أنَّ «كورونا» جاء في زمن المغردين والتسابق على إذاعة نبأ الوفيات والإصابات والخسائر المحتملة.
تحميل الإعلام مسؤولية إثارة الهلع يتضمن قدراً غير قليل من المبالغة. لا شك أنَّ بعض الإعلام يفتقر إلى الضوابط التي لا بدَّ منها في عصر أفلت فيه الإعلام من يد الجهات التي كانت تديره أو تلجمه أو توظفه وتملي عليه رواية وحيدة. لكن الحقيقة تفرض الإقرار أن الإعلام لعب دوراً بارزاً في التنبيه إلى خطورة القاتل الجديد. ولعبت وسائل الإعلام الجادة أيضاً دوراً في حملات التوعية والإرشاد إلى وسائل خفض معدل أخطار الإصابة بالفيروس. وأهم من ذلك كله أنَّ الاهتمام الإعلامي الجارف بـ«كورونا» دفعَ الحكومات إلى تعبئة طاقاتها لتنظيم مواجهة جدية وشاملة للخطر الذي يقضُّ مضاجع المواطنين.
واضح أنَّ وسائل الإعلام تريد أنْ تكون حاضرة بقوة في حدث من هذا النوع. والحقيقة أنَّ حجم المشكلة فرض نفسه على الشاشات وإطلالات المواقع والصحف. نعيش في زمن «كورونا» ولا شيء ينافسه في إثارة القلق والاهتمام والعناوين والتغريدات. المشاهد غير مسبوقة. وسرعة الانتشار كذلك. والخوف من الغموض. والافتقار إلى المصل الحاسم. الحق على «كورونا» وليس على المغردين.

56 تعليق

  1. تعقيبات: 1characteristics

  2. تعقيبات: define dissertation

  3. تعقيبات: professional dissertation help

  4. تعقيبات: professional dissertation help

  5. تعقيبات: writing service

  6. تعقيبات: dissertation writing grants

  7. تعقيبات: undergraduate dissertation

  8. تعقيبات: dissertation help galway

  9. تعقيبات: phd dissertation help

  10. تعقيبات: professional dissertation help

  11. تعقيبات: essay writing services 2019

  12. تعقيبات: best dissertation writing service

  13. تعقيبات: online casino for real money

  14. تعقيبات: spain online casino

  15. تعقيبات: borgata free online casino

  16. تعقيبات: blackjack online casino

  17. تعقيبات: four winds online casino

  18. تعقيبات: borgata online casino atlantic city

  19. تعقيبات: gunlake online casino

  20. تعقيبات: mgm grand online casino

  21. تعقيبات: online casino no verification withdrawal usa

  22. تعقيبات: online casino legit

  23. تعقيبات: sugarhouse casino online nj

  24. تعقيبات: what does vpn stand for

  25. تعقيبات: best vpn for tor

  26. تعقيبات: best vpn service for mac

  27. تعقيبات: best vpn for dark web

  28. تعقيبات: village ladies totally free

  29. تعقيبات: tinder web

  30. تعقيبات: dating online chat and meet

  31. تعقيبات: dating sites in usa

  32. تعقيبات: free online chat

  33. تعقيبات: best date online

  34. تعقيبات: skycouger gf

  35. تعقيبات: flirt dating site

  36. تعقيبات: bet online casino

  37. تعقيبات: jacks casino online

  38. تعقيبات: gay chat toms river nj

  39. تعقيبات: choose a gay video chat free

  40. تعقيبات: best gay chat rooms

  41. تعقيبات: gay chat rooms columbia sc

  42. تعقيبات: gay roleplay chat

  43. تعقيبات: japan gay teen boy chat

  44. تعقيبات: gay smegma chat

  45. تعقيبات: fee gay chat

  46. تعقيبات: gay chat on webcam

  47. تعقيبات: custom college papers

  48. تعقيبات: help with paper

  49. تعقيبات: buy custom papers online

  50. تعقيبات: buy a literature review paper

  51. تعقيبات: order a paper

  52. تعقيبات: do my paper for money

  53. تعقيبات: pay to write papers

  54. تعقيبات: paper writing service reviews

  55. تعقيبات: help in writing paper

  56. تعقيبات: write my paper for me fast

اضف رد